في قراءة متأنية لمشروع قانون المالية لعام 2025، يتضح أن الحكومة المغربية بقيادة عزيز أخنوش، تسعى لتحقيق أهداف طموحة في ظل بيئة اقتصادية مضطربة، إلا أن الفجوة بين الخطط والواقع تظل واضحة، مما يثير تساؤلات حول مدى القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة.
الدولة الاجتماعية: شعارات دون تنفيذ
وضعت الحكومة المغربية في مقدمة أولوياتها تعزيز دور الدولة الاجتماعية، من خلال توفير الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة، لكن الواقع يشير إلى عجز واضح في تنفيذ هذه الرؤية، حيث بقيت العديد من المبادرات مجرد شعارات، وما رافقه من تأخر في تنفيذ البرامج الاجتماعية الحيوية، مثل التأمين الصحي، يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لتثبيت هذا الدور.
رافق إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر اختلالات عدة، بسبب شروط الاستفادة المشددة واللجوء إلى “المؤشر الاجتماعي”، ما أدى إلى حرمان ملايين الأسر الفقيرة، خاصة في الأحياء الهامشية والمناطق القروية، من الاستفادة رغم تسجيلها سابقا في نظام “راميد”، ومع استمرار ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وزيادة التضخم، تظل الفئات الفقيرة الأكثر تأثرا دون رؤية واضحة للخروج من دائرة الفقر.
الإستثمار: محرك النمو الذي يعاني من التعثر
أحد الأهداف الأساسية التي وضعتها الحكومة في مشروع قانون المالية هو تعزيز الاستثمار لتحفيز النمو الاقتصادي، إلا أن السياسة الحالية لم تنجح في تحقيق هذا الهدف بالشكل المطلوب، فيما تزال العراقيل البيروقراطية والتحديات الضريبية تشكل عوائق أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والمحلية، بالإضافة إلى ذلك، فإن التوقعات الاقتصادية المتفائلة التي تتبناها الحكومة حول نسبة نمو 4.6% في العام 2025 تبدو غير واقعية بالنظر إلى المعطيات الحالية.
كما تضمن مشروع القانون المالي لعام 2025 تخصيص 29 ألف منصب مالي جديد، يتمركز معظمها في قطاعات حساسة كوزارة الداخلية، الصحة، والجيش، وتستحوذ هذه القطاعات على 69 في المائة منها، ويظل هذا الرقم ضئيلا بالمقارنة مع نسبة النمو المتوقعة، فيما أعربت قطاعات أخرى من بينها الصحة عن استيائها من حذف المناصب المالية المخصصة للوزارة.
مواصلة تنزيل الإصلاحات الهيكلية: الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجية
تعهدت الحكومة في السابق بمواصلة الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تحسين القطاعات الحيوية مثل الصحة، التعليم، والإدارة العامة، إلا أن الواقع يكشف عن بطء شديد في تنفيذ هذه الإصلاحات، ومن بين المشاكل التي تعيق تنفيذ هذه الإصلاحات هو التأخر في إصدار المراسيم التنظيمية التي تعتبر أساسية لتفعيل القرارات المتخذة، مما يعكس ترددا في اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، هذا التردد قد يؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء، ويعزز من حالة عدم اليقين في الاقتصاد الوطني.
الحفاظ على استدامة المالية العمومية: بين الاقتراض والإصلاح
يظهر مشروع قانون المالية لعام 2025 أن الحكومة تعتمد بشكل كبير على الاقتراض لتغطية النفقات العامة، حيث يتوقع أن يصل الدين العام إلى حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي، هذا الاعتماد المتزايد على الاقتراض يضع المغرب في موقف معقد، حيث يزداد العبء على الميزانية الوطنية لتغطية خدمة الدين، بدلا من توجيه هذه الموارد إلى استثمارات تنموية يمكن أن تحفز النمو الاقتصادي، ومع استمرار هذا النهج، قد تجد الحكومة صعوبة في الحفاظ على استدامة المالية العمومية، مما يتطلب تبني سياسات مالية أكثر واقعية وفعالية.

