أبو علي بلمزيان يكتب.. (حديث رمضان 18) إشكالية الخلق بين القرآن والحديث: تفكيك الخطاب التراثي في ضوء العلم

أبوعلي بلمزيان

إن التعارض الصارخ بين التصور القرآني لخلق الإنسان وبين التصور الذي يقدمه الحديث النبوي ليس مجرد مسألة تأويلية يمكن تجاوزها ببعض الحيل الفقهية المعتادة، بل هو انعكاس لبنية معرفية قائمة على تداخل الأسطورة مع الخطاب الديني، حيث يتم إنتاج روايات تراثية لا تخضع لأي معيار علمي أو تاريخي، ثم يتم فرضها كحقائق مطلقة لا يجوز إخضاعها للنقد أو المراجعة. فالقرآن، حين يتحدث عن خلق الإنسان، يقدمه كعملية بدأت من الطين، كما في قوله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ” (المؤمنون: 12)، دون أن يدخل في تفاصيل زمنية أو بيولوجية دقيقة، بينما يأتي الحديث ليضع جدولا زمنيا مفصلا لهذه العملية، كما في الحديث الذي رواه مسلم: “إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها…”، في محاولة واضحة لإضفاء طابع علمي على خطاب لم يكن في جوهره معنيًا بهذه الدقة، مما يخلق فجوة بين النص الديني والمعرفة العلمية الحديثة.

الحديث، الذي يتناول مراحل خلق الجنين، لا يتوقف عند كونه مجرد تفسير ديني، بل يتحول إلى وثيقة زائفة تحاول فرض رؤية جامدة على ظاهرة بيولوجية تخضع لقوانين الطبيعة وليس لأوامر ميتافيزيقية يتم استدعاؤها لإضفاء الشرعية على الروايات التراثية. فعندما يتحدث الحديث عن تدخل “ملك” في تشكيل الجنين بعد 42 يومًا، فإنه لا يختلف عن الأساطير التي كانت سائدة في الأزمنة القديمة، حيث كان يُنظر إلى الظواهر الطبيعية باعتبارها أفعالًا لمخلوقات غيبية، بدلًا من فهمها كعمليات طبيعية تحكمها قوانين الفيزياء والكيمياء الحيوية. هذا التصور الميثولوجي يتناقض بشكل صارخ مع ما كشفت عنه الأبحاث العلمية في علم الأجنة، التي أثبتت أن تطور الجنين عملية تدريجية تبدأ منذ لحظة الإخصاب، دون الحاجة إلى أي “بعث” ملائكي لكي تأخذ مسارها الطبيعي.

هذه الفجوة بين العلم والحديث ليست مجرد خطأ بسيط يمكن تبريره بعبارات من نوع “الإعجاز العلمي” أو “التفسير الرمزي”، بل هي دليل على أن الأحاديث لم تكن سوى انعكاس لثقافة عصرها، حيث كان الناس يفسرون الظواهر وفقا لمنظورهم البدائي، ثم جرى لاحقا فرض هذه التفسيرات على الأجيال المتعاقبة باعتبارها “وحيًا” لا يجوز الاعتراض عليه. وهذه العملية لم تكن مجرد “خطأ تأويلي”، بل كانت جزءا من مشروع أيديولوجي أوسع، هدفه تحصين النصوص التراثية من أي مساءلة عقلانية، وإضفاء طابع القداسة على المعرفة الدينية حتى لا يتم إخضاعها لمنهجيات البحث العلمي. فلو كان تطور الجنين فعلًا كما ورد في الحديث، لكان ذلك واضحًا في القرآن نفسه، الذي يؤكد أن الله هو الذي يتولى الخلق مباشرة: “هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ” (آل عمران: 6)، دون ذكر لوساطة ملك يقوم بتحديد ملامح الجنين في لحظة زمنية محددة.

إن إخضاع هذه النصوص للمنهج المادي التاريخي يكشف أنها ليست سوى نتاج بيئة ثقافية محددة، وليست وحيا معصومًا كما يحاول الخطاب السلفي تصويرها. فهذه الأحاديث لم تنزل من السماء، بل صيغت ضمن سياقات اجتماعية واقتصادية وسياسية فرضت على المؤسسة الدينية أن تخلق منظومة متكاملة من الروايات التي تتلاءم مع البنية الفكرية السائدة في ذلك العصر. إن الاحتكام إلى العلم في فهم الظواهر الطبيعية لا ينبغي أن يُنظر إليه كنوع من “التشكيك” في النصوص، بل هو عملية تحرر من هيمنة المرويات التراثية التي استُخدمت لعزل العقل عن منهجيات البحث الموضوعي، وتحويله إلى مجرد أداة لتبرير الموروث بدلاً من تحليله ونقده.

إن إصرار المؤسسة الدينية على فرض الحديث كمصدر “علمي” متكامل ليس سوى امتداد لمنطق الهيمنة، حيث يتم استخدام هذه النصوص كأدوات لضبط السلوك الجمعي والتحكم في طريقة تفكير الأفراد، بدلًا من ترك المجال مفتوحًا أمام التطور المعرفي الذي يكشف بوضوح أن الكثير من هذه المرويات ليست سوى امتداد للخرافات التي كانت سائدة قبل ظهور الإسلام نفسه. فتحرير الوعي من قبضة هذه المنظومة التراثية يتطلب إعادة قراءة هذه الأحاديث ضمن سياقها التاريخي، وعدم التعامل معها كحقائق نهائية، بل كمجرد محاولات بشرية لفهم العالم وفقًا للمعطيات المحدودة التي كانت متاحة في ذلك الزمن.

ما يتكشف من خلال هذا التحليل هو أن معركة تحرير العقل من سطوة المرويات التراثية ليست مجرد مسألة دينية، بل هي معركة سياسية بامتياز، حيث تصر القوى التقليدية على فرض خطابها باسم الدين، بينما الواقع يكشف أن الكثير من هذه النصوص لم تكن سوى أدوات لخدمة سلطة دينية استغلت هذه الأحاديث لفرض رؤيتها للعالم، حتى لو تعارضت مع أبسط قواعد العلم والمنطق.

– الحسيمة في 19 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.