في سياق الصراع الأوكراني، تتجلى بوضوح ازدواجية الخطاب السياسي والإعلامي الغربي تجاه روسيا، حيث تتأرجح الرواية بين تصوير موسكو كقوة متآكلة عاجزة عن تحقيق أهدافها، وبين إبرازها كخطر داهم يهدد القارة الأوروبية بأسرها. هذه المفارقة لا يمكن اعتبارها مجرد ارتباك في المواقف، بل هي انعكاس لاستراتيجية مدروسة تخدم أهدافًا متعددة في إطار الصراع الجيوسياسي القائم.
من الناحية الواقعية، الدول لا تنظر إلى الأزمات من زاوية واحدة، بل من زوايا تتباين وفقًا للمصالح الآنية والمتغيرة. في حالة أوكرانيا، يبدو أن الهدف الأساسي للدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، هو استنزاف روسيا عبر إطالة أمد الحرب، وإبقاؤها في وضع استراتيجي غير مريح يمنعها من تحقيق نصر حاسم، دون أن يصل الأمر إلى انهيار شامل يهدد التوازنات الكبرى. ولذلك، يتم التلاعب بالصورة المقدمة للرأي العام: فمن جهة، يتم الترويج لرواية العجز الروسي بغية تعزيز الثقة في صلابة الموقف الأوكراني وحشد الدعم الغربي المستمر لكييف، ومن جهة أخرى، يتم التهويل من “الخطر الروسي” لدفع الأوروبيين إلى زيادة الإنفاق العسكري وتعميق ارتباطهم بالأجندة الأطلسية.
هذا الخطاب المزدوج ليس وليد اللحظة، بل هو جزء من تقليد طويل في بناء صورة “العدو”، حيث لطالما شكلت روسيا، سواء في زمن الإمبراطورية القيصرية أو الاتحاد السوفياتي، عنصرًا محوريًا في السردية الغربية التي ترى فيها تهديدًا بنيويًا للنموذج الليبرالي. وإذا كان للحرب الأوكرانية أن كشفت عن شيء، فهو أن هذه الرؤية لم تتبدل، بل أعيد تكييفها لتناسب السياقات الجديدة. فالرهاب من روسيا لم يعد مقتصرًا على النخبة السياسية، بل تغلغل في الأوساط الإعلامية والنخبوية بشكل مرضي، حيث بات أي تحليل موضوعي لموقف موسكو يُصنف ضمن خانة “التبرير للعدوان”، في حين أن أي ترويج لمخاوف غير واقعية يُنظر إليه باعتباره “حذرًا مشروعًا”.
في ظل هذا السياق، يبدو أن منطق العلاقات الدولية يفرض نفسه بقوة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تباين في السرديات، بل بصراع مصالح حيث تُوظف المواقف والتصريحات وفقًا للحاجة. فحين يكون الهدف هو الضغط على روسيا، يتم التقليل من شأن قوتها وتصويرها كدولة غارقة في الفشل العسكري، وحين يكون المطلوب تعبئة المجتمعات الأوروبية خلف مشاريع إعادة التسلح وإطالة أمد المواجهة، يتم النفخ في صورة الخطر الوجودي القادم من الشرق. إنه تكتيك كلاسيكي يهدف إلى تحقيق أقصى المكاسب السياسية من خلال التأرجح بين التطمين والتخويف.
غير أن هذا النهج لا يخلو من تداعيات قد تكون كارثية على المدى البعيد، حيث إن افتعال حالة من الهلع الدائم تجاه روسيا قد يؤدي إلى أخطاء استراتيجية مكلفة، كما أن الاستخفاف بقوتها قد يدفع إلى سوء تقدير إمكانياتها الحقيقية. والتاريخ مليء بأمثلة عن حروب اندلعت بسبب سوء الحسابات الناتج عن الدعاية المغرضة والتقديرات الخاطئة. إن أي صراع طويل الأمد يحتاج إلى مقاربة واقعية تتجاوز الشعارات والمخاوف المصطنعة، وإلا فإن الأمور قد تنزلق إلى مواجهات لا تخدم أحدًا، إلا من يجدون في الفوضى منفعة استراتيجية دائمة.
– الحسيمة في 7 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

