ما يبرز من خلال المفارقة بين النص القرآني والحديث النبوي هو إشكالية جوهرية تتعلق بمصير أهل الكتاب، وهو ما يفتح باب التأويل على مصراعيه حول شمولية الخلاص الديني وحدوده في العقيدة الإسلامية. فمن جهة، يقرر النص القرآني بصيغة واضحة لا تقبل اللبس أن اليهود والنصارى والصابئة، متى ما آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات، فإن لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، حيث يقول الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 62). هذه الصياغة تعكس رؤية تتسم بالشمولية والانفتاح، حيث لا يشترط النص صراحة الإيمان بالنبي محمد كشرط أساسي للنجاة الأخروية، بل يجعل الإيمان والعمل الصالح هو المعيار الحاسم في تقرير المصير. في المقابل، نجد أن الحديث المنسوب إلى النبي يقرر قطيعة واضحة مع هذا المنطق، حيث يحصر النجاة فيمن يؤمن بالرسالة المحمدية، ويحكم بالهلاك الأبدي على كل من سمع بها ولم يتبعها، حيث جاء في الحديث الشريف: “والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار” (رواه مسلم). هذا النص يفرض قراءة حصرية للخلاص، تتعارض مع الخطاب القرآني الأكثر اتساعًا.
هذه الإشكالية لا يمكن فصلها عن السياقات التاريخية التي نشأت فيها، حيث إن أي نص ديني هو في نهاية المطاف انعكاس لمرحلة تشكّله وظروف إنتاجه. وفقًا لمنهجية المادية التاريخية، يمكن قراءة هذا التباين في ضوء الصراع الذي خاضته الجماعة الإسلامية الناشئة مع المكونات الدينية الأخرى، وخاصة اليهود والمسيحيين. في المرحلة المبكرة للدعوة، حيث كان الإسلام في طور التأسيس والتثبيت، نجد خطابًا أكثر مرونة وتسامحًا، يسعى إلى استيعاب الآخر ضمن منظومة إيمانية أوسع، وهو ما تعكسه الآية القرآنية التي تمنح إمكانية النجاة لأتباع الديانات الأخرى وفق إيمانهم وأعمالهم. لكن مع تحول الإسلام من مجرد حركة دعوية إلى كيان سياسي وعسكري يسعى إلى فرض هيمنته، أصبح من الضروري ترسيخ فكرة التفوق المطلق للإسلام، وهو ما يتجلى في الحديث الذي يجعل الإيمان بالنبي محمد شرطًا للخلاص، مستبعدًا بذلك أي إمكانية للنجاة خارج الإطار الإسلامي. وهو ما يمكن فهمه في سياق قوله تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران: 85)، حيث يتم تقرير العقيدة الإسلامية كخيار وحيد للخلاص الأخروي.
هذا التحول في الخطاب يعكس ديناميكية الفكر الديني، حيث لم يكن النص المقدس ثابتًا في مواقفه، بل خضع لإعادة تشكيل وتأويل وفقًا لمقتضيات المرحلة. المفكر حسن حنفي، في تحليله للموروث الإسلامي، يشير إلى أن “التناقضات الداخلية في النصوص ليست عشوائية، بل تعكس تطورًا في بنية الخطاب الديني وفقًا لمتطلبات الهيمنة السياسية”. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى هذه المفارقة بين القرآن والحديث ليس كتعارض عقائدي محض، بل كنتيجة طبيعية لتطور الإسلام من دعوة تبحث عن الاعتراف إلى سلطة تسعى إلى فرض نفسها.
الفكر الإسلامي الكلاسيكي حاول معالجة هذا التناقض من خلال استراتيجيات تأويلية متعددة، حيث ذهب بعض المفسرين إلى القول بأن الآية القرآنية تتحدث عن أهل الكتاب الذين لم تصلهم دعوة الإسلام، أما بعد البعثة المحمدية، فقد أصبح الإيمان بها شرطًا للنجاة. لكن هذا التأويل يتناقض مع الصياغة المطلقة للآية، التي لم تضع أي شرط زمني أو مرحلي لمضمونها. في المقابل، نجد التيار المعتزلي قد طرح قراءة أكثر انسجامًا مع روح النص القرآني، حيث اعتبر أن العدل الإلهي لا يمكن أن يتناقض مع مبدأ الثواب والعقاب القائم على العمل الصالح، بصرف النظر عن الانتماء الديني، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ” (النساء: 40)، وهو ما يتعارض مع حصرية النجاة التي يطرحها الحديث النبوي.
هذه الرؤية تتلاقى مع مقاربة الفيلسوف محمد أركون، الذي يرى أن “الإسلام المبكر كان أكثر انفتاحًا، لكن السلطة السياسية التي ورثته سعت إلى تضييق دائرته لتبرير احتكارها للحقيقة المطلقة”. إن التناقض بين النص القرآني والحديث النبوي في هذه المسألة ليس مجرد إشكال لغوي أو تأويلي، بل يعكس الصراع بين نزعتين داخل المنظومة الإسلامية: نزعة شمولية ترى الإيمان الحق في جوهره الأخلاقي وليس في الانتماء العقائدي، ونزعة إقصائية تسعى إلى احتكار النجاة وتوظيف العقيدة كأداة للهيمنة السياسية والاجتماعية. وهو ما يمكن قراءته في ضوء قوله تعالى: “لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا” (النساء: 123)، مما يعيد التأكيد على معيار العمل الصالح بدلًا من الانتماء الديني الضيق.
في نهاية المطاف، لا يمكن التعامل مع هذه التناقضات بمنطق التبرير السطحي، بل ينبغي قراءتها في إطار الحراك الجدلي الذي يخضع له أي منظومة فكرية في سياق صيرورتها التاريخية، حيث يتم إعادة إنتاج النصوص وفقًا للرهانات السياسية التي تتحكم في مسار تطورها. وهو ما يدفع إلى إعادة التفكير في طبيعة النصوص الدينية ذاتها، ومدى قابليتها للتأويل بما يخدم تطور المجتمعات بدلًا من فرضها كحقائق مطلقة خارج سياقاتها التاريخية والسياسية.
– الحسيمة في 30 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

