من السخف أن يُراد تسويق مواقف رجعية ومنافقة تحت يافطة “الصدق” و”النصيحة” و”الوطنية”، وكأن الوطنية حكر على شخص أو على تيار لا يفتأ يتغذى من رصيد المقاومة ليبيعه في مزاد الانبطاح والإذعان. الخطاب الذي يدّعي من خلاله أحدهم التميز الأخلاقي والوفاء للمبادئ، ليس سوى امتداد لعملية تبييض وجه سياسي لطالما ارتبط بالخضوع الممنهج للسلطة، وبالالتواء المتعمد في قضايا السيادة، بل وبالتماهي الكامل مع منطق المخزن حين يتعلق الأمر بالشأن الخارجي، خاصة حين يكون الثمن هو موقع سياسي أو ريع انتخابي.
إن التنديد بوجود قوات الاحتلال الصهيوني على أرض المغرب لا يصير عملا شريفا حين يصدر عن من كان طيلة عقد من الزمن في موقع القرار ولم ينبس ببنت شفة ضد أولى مظاهر الاختراق الصهيوني. فالأصوات التي تصرخ اليوم بالتنديد هي نفسها التي صمتت صمت القبور حين بدأ التطبيع زاحفا تحت ستار التعاون الأمني، ثم صارت تُشرعنه وتُجمّله بل وتباركه تحت ذريعة “مصلحة الدولة” و”المؤسسات”. أي انفصام أخلاقي وسياسي هذا الذي يجعل الفعل ذاته (التطبيع العسكري) مرفوضاً عند المعارضة، ومقبولاً بل محبذاً في موقع المسؤولية؟
وما معنى التباكي اليوم على فلسطين والركوع بالأمس عند أعتاب قرارات المخزن حتى حين كانت تمس القضايا الجوهرية للأمة؟ من يُشرّع لحضوره في الحكومة تحت ظل الملكية التنفيذية، لا يحق له بعد الإقالة أن يتقمص دور المقاوم الشريف أو الناصح الأمين. فالذي رضي أن يكون كومبارساً في مسرحية “الانتقال الديمقراطي” الزائف، هو نفسه الذي صوّت داخل البرلمان وخارجه على كل أشكال التماهي مع النظام، بما في ذلك صفقات الذل الإبراهيمي، بل وكان من أوائل المهللين لها ما دامت تخدم استمراريته في السلطة وتمنحه هامشاً دعائياً للمراوغة الشعبوية.
ثم إن التوسل بالنصوص الدينية وتوظيف الحديث الشريف في سياق تبريري لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال الابتزاز الأخلاقي والديني. حين يتم توظيف “الدين النصيحة” لتبييض خط سياسي مارق وخانع، فإننا أمام ارتكاس تام في الخطاب لا يختلف في جوهره عن خطب وعاظ السلاطين الذين يلوون أعناق النصوص لتخدم أجندات السلطة. إن الدين، حين يتحول إلى مطية للتمويه الأيديولوجي، لا يعود نصيحة بقدر ما يصير قناعاً لتسويق ازدواجية فجة.
ثم عن أي شجاعة يتحدثون؟ وهل باتت الشجاعة اليوم مرادفاً لكلام إنشائي خارج السياق الفعلي للصراع؟ أين كانت هذه “النصيحة” حين تم توقيع الاتفاق الثلاثي مع الصهاينة علانية؟ أين كانت “الغيرة على الوطن” حين كان التطبيع يُحتفى به عبر الإعلام العمومي، ويفرض على الشعب كقدر محتوم؟ إن ما يسمى “الغيرة” لا يكون خطابياً فقط، بل هو التزام يومي بالموقف التحرري، ورفض قاطع لكل أشكال التطبيع الثقافي والاقتصادي والعسكري، لا مجرد تسجيل موقف بعد التقاعد السياسي أو السقوط الانتخابي.
إن محاولة تقديم شخص ما كاستثناء أخلاقي وسط ساحة سياسية ملوثة، لا يعدو أن يكون أسلوباً بائساً لإعادة تلميع صورته في ذاكرة الجماهير، خاصة بعد أن اهتزت هذه الصورة بفعل السياسات اللاشعبية التي مررها دون تردد، سواء تعلق الأمر بإصلاح التقاعد، أو تجميد الأجور، أو ضرب القدرة الشرائية للفئات الهشة. كيف لمن عاقب الطبقات الشعبية أن ينصب نفسه مدافعاً عنها باسم “النصيحة”؟ كيف لمن خضع لصناديق الإملاء الدولية أن يتحدث عن الصمود؟
ثم من العبث الحديث عن أن “الشعب المغربي كله” مع موقف هذا السياسي أو ذاك، وكأن صوت الجماهير مختزل في مزاج فئة قليلة من المريدين. إن هذه التقنية الفجة في تعميم المواقف لا تختلف عن البروباغندا المخزنية ذاتها، التي تحوّل كل معارض إلى “خارج عن الإجماع”، وكل مطبع إلى “حكيم خبير بمصلحة الوطن”. إن اختزال الشعب في صدى صوت زعيم سابق، وتجاهل التنوع الصارخ في مواقف المغاربة تجاه الصهيونية، هو نوع من التبخيس المقصود للذكاء الجماعي ومحاولة يائسة للسطو على الرصيد الرمزي لحركات مناهضة التطبيع، والتي ظلت تناضل، بصمت وعن قناعة، لا طمعاً في الأضواء أو تزلفاً للسلطة.
وإذا كان البعض يزعجهم “نباح” من ينتقدون المواقف الملتبسة، فليعلموا أن من يصف النقد السياسي بالنباح إنما يكشف عن وجهه الحقيقي: عداءه العميق للنقاش الديمقراطي، وحنينه السلطوي إلى عهد التقديس الأعمى للقادة. من يعتبر المعارضين “كلاباً” إنما ينتمي ثقافياً إلى مستنقع الاستبداد، ولو تزيّن بعبارات الدين أو بشعارات الطهرانية السياسية.
إننا اليوم أمام لحظة فارقة، لا مجال فيها للمواربة أو التلاعب بالمصطلحات. من كان ضد التطبيع فليجعل من ذلك موقفاً جذرياً يومياً، لا مجرد تغريدة ظرفية. ومن يريد أن يكون ناصحاً، فليبدأ بنصح نفسه أولاً وتقييم مساره ومواقفه، لا أن يفرض على الشعب ذاكرة سمكية تنسى بسرعة من كان في الصفوف الأمامية لتمرير الخراب. أما محاولات إعادة إنتاج الزعامة السياسية بلبوس أخلاقي بعد الإفلاس، فلن تفلح إلا في كشف المزيد من عورات هذا الخط الملتوي الذي طالما خدم الاستبداد من تحت الطاولة.
– الحسيمة 4 يونيو 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

