بقلم: محمد ولد السباعي
في قلب الصحراء الكبرى، حيث الرمال تتكلم لغة الشمس، هناك أرض اسمها أزواد، تسكنها أرواح الطوارق والعرب منذ قرون طويلة، وتحتضن تاريخًا ضاربًا في الجذور، لا تُنكره خرائط السياسة ولا تمحوه اتفاقيات القهر.
إن قضية الشعب الأزوادي ليست نزوة انفصالية عابرة، بل هي صرخة تاريخية تطالب بالعدالة، واستعادة الحق الذي اغتاله الاستعمار وسكّنه في خرائطه المصطنعة. حين رسمت فرنسا حدود مالي الحديثة، لم تسأل الطوارق والعرب عن انتمائهم، ولم تُراعِ هويتهم الثقافية ولا نظامهم الاجتماعي والسياسي، بل سلّمت أرضهم لشعب مختلف في كل شيء: في اللغة، والعِرق، والعادات، بل وحتى في نظرة الإنسان إلى الصحراء والحياة.
تاريخ من الاستقلال والسيادة
قبل مجيء الاستعمار، كانت منطقة أزواد تحكمها قبائل الطوارق والعرب وفق أعرافها الخاصة، وكانت تتمتع بأنظمة اجتماعية مستقلة قائمة على الشورى والكرم والكرامة. لم تكن أزواد يومًا جزءًا من الدولة المالية، بل كانت كيانًا قائمًا بذاته. وبعد رحيل الاستعمار، لم يُستفتَ سكان أزواد بشأن مصيرهم، بل فُرض عليهم الانضمام إلى مالي فرضًا.
ومنذ ذلك الحين، لم يعرفوا عدلًا ولا إنصافًا: لا تعليم، لا صحة، لا تنمية، ولا احترام لثقافتهم وهويتهم. بل حوربت لغتهم وتقاليدهم، وأُقصوا من دوائر القرار، وعوملوا دومًا كمواطنين من الدرجة الثانية.
ثورات ودماء لم تُنسَ
من الستينيات وحتى اليوم، لم يتوقف الأزواديون عن المطالبة بحقهم المشروع، فكانت هناك انتفاضات وثورات: في 1990، 2006، وأخيرًا 2012، حين أعلن الطوارق استقلال أزواد تحت راية “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”. لكن بدلًا من الدعم، وُوجهوا بالحرب والتهميش، وتُركوا فريسة للدمار والجوع والشتات.
الحق لا يموت
إن حق الشعب الأزوادي، عربًا وطوارق، في تقرير مصيره هو حق مشروع كفلته كل المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على “حق الشعوب الأصلية في تقرير مصيرها”. أزواد ليست مشروع فتنة، بل نداء كرامة، من شعب يريد أن يحكم نفسه بنفسه، على أرضه، بلغته، وثقافته، وتاريخه.
فهل من منصتٍ لهذا النداء؟ وهل من منصف يعيد لأزواد بعضًا من حقها المسلوب؟

