التقسيم الطبقي في القبائل الأمازيغية بين المهيمنة والفئات الفلاحية المهمشة

أبوعلي بلمزيان

لم يكن المجتمع الأمازيغي قبل الاستعمار كيانًا متجانسًا يقوم على المساواة الاجتماعية، بل خضع كباقي المجتمعات البشرية لقوانين الصراع الطبقي التي حكمت تطور أنماط الإنتاج داخله. إن أي قراءة علمية لهذا التمايز الاجتماعي لا يمكن أن تقتصر على الخطاب الثقافوي الذي يختزل المسألة الأمازيغية في بعدها اللغوي والهوياتي، بل لا بد من تفكيك الأسس المادية التي شكلت العلاقات الاجتماعية بين الفئات المختلفة. وكما يشير كارل ماركس، فإن “التاريخ البشري هو تاريخ صراع الطبقات”، وهذا الصراع كان حاضرًا بوضوح داخل البنية القبلية الأمازيغية حيث تكرست التفاوتات الاجتماعية من خلال علاقات الإنتاج الزراعية والرعوية (ماركس، “رأس المال”).

كانت القبائل الأمازيغية منقسمة داخليًا إلى فئات اجتماعية متباينة المصالح، حيث سادت أقلية مهيمنة تركزت في أيديها الثروة والسلطة القبلية، مقابل أغلبية فلاحية ورعوية كادحة خضعت لعلاقات إنتاج قائمة على التبعية والاستغلال. لقد امتلكت النخب القبلية الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة، كما احتكرت الموارد الطبيعية مثل المياه والمراعي، مما مكنها من فرض علاقات خضوع على الفلاحين الصغار والرعاة. وقد تجلت هذه الهيمنة في أنظمة الاستغلال التي عرفتها القبائل، مثل نظام الخماسة الذي أجبر الفلاح على تسليم جزء كبير من محصوله لملاك الأرض، ونظام “إمكري” الذي فرض على الفلاحين شروطًا مجحفة مقابل السماح لهم بزراعة أراضٍ لا يملكونها. لم يكن الرعاة أكثر تحررًا من الفلاحين، إذ كانت فئة “إمكسا” تعمل لصالح ملاك القطعان الكبار، في علاقة تبعية اقتصادية واضحة (بورديو، “الهيمنة الرمزية”).

إن هذه البنية الطبقية لم تكن مجرد نتاج لعلاقات الإنتاج الزراعي والرعوي، بل كانت تتعزز من خلال البنية السياسية والرمزية للمجتمع القبلي. فقد لعبت الزعامات القبلية دورًا مركزيًا في إعادة إنتاج هذا التفاوت، حيث مارست الأعيان سلطة مزدوجة اقتصادية وسياسية، ما سمح لهم بفرض سلطتهم ليس فقط عبر احتكار وسائل الإنتاج، بل أيضًا عبر استخدام النفوذ السياسي لتمرير القوانين العرفية التي تصب في مصلحتهم. إن منظومة “أزرف” التي كانت تحكم العلاقات داخل القبيلة لم تكن محايدة، بل كانت تُوظَّف لترسيخ الامتيازات الطبقية لفئة على حساب أخرى (كلود ليفي ستروس، “البنيات الأولية للقرابة”).

لم يقتصر التفاوت الطبقي على العلاقات الزراعية والرعوية، بل امتد ليشمل أنماط الاستغلال في المجالات التجارية والحرفية. فقد ظهرت فئات تجارية راكمت ثروات من خلال السيطرة على شبكات المبادلات داخل الأسواق القبلية وفي علاقتها بالمراكز الحضرية الكبرى. كما استغلت بعض العائلات مراكزها الدينية داخل الزوايا والطرق الصوفية لفرض سلطتها الاقتصادية عبر استغلال أراضي الأوقاف والهبات المقدمة من السكان. لقد كانت هذه المؤسسات الدينية تلعب دورًا وظيفيًا في إعادة إنتاج الوعي الزائف الذي يبرر التفاوتات الاجتماعية باسم الاستقرار الروحي والتوازن الاجتماعي (أنطونيو غرامشي، “دفاتر السجن”).

إن التحليل النقدي لهذا التمايز يكشف أن القبلية لم تكن مجرد تنظيم اجتماعي بريء، بل كانت آلية لإعادة إنتاج التراتبية الطبقية داخل المجتمع الأمازيغي. لم يكن الانتماء القبلي وحده هو المحدد الأساسي للمكانة الاجتماعية، بل كان التفاوت في امتلاك وسائل الإنتاج هو العامل الحاسم في تحديد موقع الأفراد داخل الهرم الاجتماعي. لقد حاولت النخب القبلية ترسيخ أيديولوجيا مفادها أن التفاوت الطبقي قدر محتوم مستمد من الطبيعة أو من الأعراف القبلية، في حين أن الواقع التاريخي يكشف أنه كان نتيجة لصراع المصالح بين الفئات الاجتماعية المختلفة (إريك هوبزباوم، “اختراع التقاليد”).

وإذا ما توسعنا في التحليل من زاوية المادية التاريخية، نجد أن هذه البنية الطبقية لم تكن جامدة، بل عرفت تطورًا مستمرًا وفق التحولات الاقتصادية والسياسية التي عاشها المجال الأمازيغي. فمع ازدهار التجارة عبر الصحراء وتأثير القوى الخارجية، تعززت الهيمنة الاقتصادية لبعض الفئات القبلية التي تمكنت من احتكار المبادلات التجارية وتوسيع نفوذها نحو مراكز السلطة الناشئة. وقد أدى هذا التطور إلى مزيد من التفاوت، حيث أصبحت بعض القبائل أكثر اندماجًا في الاقتصاد الإقليمي والدولي، مما زاد من حدة الفوارق بين النخب المسيطرة والفئات المهمشة (سمير أمين، “التراكم على نطاق عالمي”).

لقد انعكس هذا التفاوت على البنية الاجتماعية، حيث أُعيد إنتاج الهيمنة عبر آليات مختلفة، من بينها التزاوج السياسي بين العائلات النافذة، وتقسيم العمل الاجتماعي الذي حصر الفئات الدنيا في وظائف هامشية، ناهيك عن اللجوء إلى العنف الرمزي والمادي لتكريس الهيمنة. كما أن بعض الفئات المستغلة لم تكتفِ باستغلال الفلاحين والرعاة، بل مارست نوعًا من التراتبية الداخلية حتى داخل الأسر الموسعة، حيث كانت علاقات السلطة داخل العائلة تعكس البنية العامة للهرم الاجتماعي، ما أدى إلى إعادة إنتاج النظام الطبقي جيلاً بعد جيل (بيير بورديو، “إعادة الإنتاج”).

إن أي مقاربة تقدمية للمسألة الأمازيغية لا يمكن أن تقف عند حدود المطالب الثقافية، بل يجب أن تذهب إلى جوهر الصراع، أي تفكيك البنية الطبقية التي حكمت المجتمعات الأمازيغية تاريخيًا. إن تحرر الأمازيغ لا يمكن أن يتحقق عبر الاعتراف اللغوي وحده، بل يتطلب تفكيك علاقات الاستغلال التي كرسها التاريخ، وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل ديمقراطي يقطع مع الامتيازات الطبقية التي استفادت منها أقلية على حساب الأغلبية الكادحة. إن بناء وعي نقدي جذري حول هذه المسألة يفرض تجاوز الخطابات الإصلاحية السطحية، والتأسيس لحركة اجتماعية تحررية تتجاوز الهويات القبلية والإثنية نحو أفق نضالي أممي، يربط قضية التحرر الثقافي بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في إطار مشروع جذري شامل يفتح افق انعتاق وازدهار الهويات الثقافية كسلاح للاندراج في روح العصر بدل الانغلاق في هويات قاتلة. (إيمانويل والرشتاين، “النظام العالمي الحديث”).

الحسيمة في 04 ابريل 2025

ابو علي بلمزيان