البنية الطبقية للمجتمعات الأمازيغية قبل الاستعمار: مقاربة مادية تاريخية

أبوعلي بلمزيان

لم تكن المجتمعات الأمازيغية قبل الاستعمار كيانات متجانسة تعيش وفق نظام اجتماعي قائم على المساواة، بل كانت تخضع لبنية طبقية واضحة، وإن اختلفت طبيعتها عن التشكيلات الطبقية التي ستتشكل لاحقًا تحت تأثير الرأسمالية الاستعمارية. إن أي تحليل علمي لهذه المسألة يقتضي تجاوز الخطاب الفولكلوري السائد الذي يصور هذه المجتمعات ككيانات منسجمة، والوقوف عند محددات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي التي حكمت علاقات الإنتاج داخلها، وهو ما يفرض اعتماد منهج التحليل النقدي من منظور المادية التاريخية لكشف البنية العميقة لهذه العلاقات.

إن نمط الإنتاج السائد في المناطق الأمازيغية قبل الاستعمار كان متباينًا بحسب الظروف البيئية والجغرافية، لكنه رغم تباينه، ظل محكومًا بهيمنة طبقية مارستها أقلية اجتماعية على جماهير الفلاحين والرعاة والفئات المهمشة. في المناطق الجبلية والواحات حيث شكلت الزراعة النشاط الاقتصادي الأساسي، كانت الملكية العقارية غير متكافئة، إذ سيطرت عائلات نافذة داخل القبيلة على الأراضي الأكثر خصوبة واحتكرت مصادر المياه، مما أدى إلى خلق فئات اجتماعية تستغل قوة عمل الفلاحين الفقراء الذين لم يكونوا يمتلكون سوى وسائل إنتاج محدودة. لقد تمظهر هذا التفاوت في أشكال مختلفة من الاستغلال، أبرزها نظام “الخماسة” الذي كان شكلاً من أشكال العلاقات ما قبل الإقطاعية، حيث كان الفلاح يعمل لدى مالك الأرض مقابل نسبة ضئيلة من المحصول، في علاقة قائمة على التبعية والاستغلال الفج.

أما في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية التي اعتمدت على الرعي، فقد تمركزت الثروة الحيوانية في يد أقلية تحكمت في المراعي ومسارات التجارة، بينما ظلت الأغلبية الساحقة من الرعاة خاضعة لهيمنة كبار الملاك الذين راكموا ثرواتهم عبر استغلال قوة العمل الجماعية، وفرض علاقات خضوع اقتصادي على الفئات الأقل حظًا. لقد لعبت التجارة دورًا مركزيًا في إعادة إنتاج هذه التفاوتات، حيث ظهرت فئات تجارية تركزت بالأسواق القبلية وتمكنت من الاستفادة من المبادلات التجارية، سواء مع المدن الكبرى أو عبر الطرق الصحراوية، وهو ما ساهم في تكوين برجوازية تجارية محلية ربطت مصالحها بالنخب القبلية.

إقــــرأ أيضـــــا:

تمفصل البعد الإثني والطبقي في المسألة الأمازيغية: تفكيك الجدليات الاجتماعية والتاريخية.

إن البنية الطبقية للمجتمع الأمازيغي لم تكن قائمة فقط على التفاوت الاقتصادي، بل دعمتها منظومة ثقافية وأيديولوجية عززت الهيمنة الطبقية تحت غطاء الأعراف والتقاليد القبلية. فقد كانت الزعامات القبلية، المكونة من الأعيان وأصحاب النفوذ، تمتلك سلطة مزدوجة: اقتصادية، حيث تحتكر الموارد، وسياسية، حيث تسهر على ضبط العلاقات داخل القبيلة بما يضمن استمرار مصالحها الطبقية. في هذا السياق، لعبت الزوايا والطرق الصوفية دورًا وظيفيًا في دعم هذه المنظومة، إذ شكلت غطاءً دينيًا لشرعنة اللامساواة، مستفيدة بدورها من الامتيازات الاقتصادية عبر الهبات والأراضي الوقفية التي منحتها لها القبائل كجزء من بنية السيطرة الرمزية.

على الرغم من أن هذه البنية كانت تبدو مستقرة، إلا أنها لم تكن بمنأى عن التناقضات والصراعات الطبقية التي تفجرت بين الحين والآخر، حيث شهدت بعض المناطق انتفاضات فلاحية ضد زعماء القبائل والأعيان الذين مارسوا الاستغلال المفرط. هذه الصراعات، التي غالبًا ما تم قمعها باسم وحدة القبيلة أو التضامن الجماعي، كشفت عن الطابع الهش للمنظومة الطبقية التقليدية، والتي ستزداد هشاشتها مع الاصطدام بالبنية الرأسمالية الاستعمارية.

لقد شكل دخول الاستعمار الأوروبي مرحلة مفصلية في إعادة تشكيل التفاوتات الاجتماعية داخل المجتمعات الأمازيغية، حيث لم يلغِ الاستغلال الطبقي، بل أعاد هيكلته وفق علاقات إنتاج جديدة فرضتها آليات السوق الرأسمالي. فقد جرى دمج النخب القبلية التقليدية ضمن المنظومة الاستعمارية، حيث منحت امتيازات للحفاظ على مواقعها، في حين تعرضت الفئات الكادحة لمزيد من التهميش والاستغلال، سواء عبر تجريدها من الأراضي الخصبة لصالح المشاريع الزراعية الاستعمارية، أو عبر إجبارها على الهجرة نحو المراكز الحضرية للعمل بأجور زهيدة في ظل علاقات إنتاج رأسمالية ناشئة.

إن تحليل التفاوتات الاجتماعية داخل المجتمعات الأمازيغية قبل الاستعمار، من منظور مادي تاريخي، يكشف أن المسألة ليست مجرد قضية إثنية أو ثقافية كما تحاول بعض المقاربات الثقافوية تصويرها، بل هي قبل كل شيء مسألة طبقية تتعلق بالبنية العميقة لعلاقات الإنتاج والتوزيع. إن أي قراءة تقدمية للمسألة الأمازيغية يجب أن تتجاوز الخطابات الهوياتية الضيقة التي تسعى إلى اختزال الصراع في بعده الثقافي، وأن تضعه في سياقه التاريخي والاقتصادي الحقيقي، حيث أن تحرير الأمازيغ لا يمكن أن يتم عبر الاعتراف اللغوي والثقافي وحده، بل يمر بالضرورة عبر تحررهم من الاستغلال الطبقي وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل.
•⁠ ⁠الحسيمة في 3 أبريل 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.