تمفصل البعد الإثني والطبقي في المسألة الأمازيغية: تفكيك الجدليات الاجتماعية والتاريخية.

أبوعلي بلمزيان

إن المسألة الأمازيغية تشكل موضوعاً معقداً ومركباً في البنية الاجتماعية والتاريخية للمغرب الكبير، حيث تتقاطع الأبعاد الإثنية والطبقية بشكل جدلي يعكس مع التحولات العميقة التي مرت بها المجتمعات المغاربية منذ ما قبل الاستعمار إلى اللحظة الراهنة. إن التحليل المادي التاريخي لهذه المسألة يفرض استقراء الحركيات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت في تشكل الهويات والتناقضات الطبقية داخل البنية الاجتماعية.

إن التمايز الإثني في المجتمعات المغاربية لم يكن يوماً معزولاً عن التفاوتات الطبقية التي أفرزتها أنماط الإنتاج المختلفة. فمنذ العصور القديمة، كان البربر، كما سماهم المؤرخون الكلاسيكيون، يشكلون القاعدة السكانية الأصلية للمنطقة، لكن البنى القبلية والزراعية فرضت أنماطاً إنتاجية غير متجانسة، حيث وجدت شرائح مهيمنة اقتصادياً وسياسياً داخل الأمازيغ أنفسهم، كما تشكلت طبقات اجتماعية واضحة بين الملاك والمنتجين المباشرين. ومع دخول الإسلام وتعاقب الدول المركزية، كالأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين، تعزز التقسيم الطبقي بناءً على اعتبارات اقتصادية وإيديولوجية.

خلال المرحلة الاستعمارية، عملت القوى الكولونيالية على توظيف التمايز الإثني ضمن استراتيجياتها التقسيمية، فكانت السياسة البربرية التي انتهجها الاستعمار الفرنسي تهدف إلى خلق قطيعة بين الناطقين بالأمازيغية والعرب من خلال أنظمة قانونية مختلفة، مما زاد من تعقيد التناقضات الداخلية. لكن هذه الاستراتيجية لم تكن سوى استمرارية لواقع كان موجوداً، حيث أن الفوارق الاجتماعية داخل العالم القروي الأمازيغي نفسه كانت بارزة، فهناك الفلاحون المعدمون، وهناك الزعامات القبلية التي تحالفت مع الاستعمار أو مع الدول المركزية لتعزيز مواقعها السلطوية.

بعد الاستقلال، لم يؤد اندماج الأمازيغ ضمن الهوية الوطنية الرسمية إلى إنهاء التفاوتات، بل تم تهميش المناطق التي يسكنها الأمازيغ بشكل أكبر، حيث أن السياسات الاقتصادية للدولة الوطنية اعتمدت على تكريس المركزية في التوزيع والاستثمار، ما جعل مناطق الأطلس والريف وسوس تعيش إقصاءً تنموياً واضحاً. إن هذا التهميش لم يكن فقط ذا طابع إثني، بل كانت له جذور طبقية، إذ أن البورجوازية الناشئة داخل المدن الكبرى لم تكن معنية بتنمية الأطراف، بل ركزت جهودها على تعزيز سلطتها الاقتصادية من خلال احتكار الأنشطة التجارية والاستثمارات.

في العقود الأخيرة، ظهر وعي متزايد بالمسألة الأمازيغية، لكنه ارتبط بتغيرات بنيوية في الاقتصاد العالمي والتوجهات النيوليبرالية التي تبنتها الدولة، حيث تم تسويق الاعتراف بالبعد الثقافي الأمازيغي ضمن خطاب الحداثة والديمقراطية، لكن دون المساس بجوهر التفاوتات الاجتماعية. إن اللغة الأمازيغية ورموز الهوية الثقافية أصبحت جزءاً من المشهد المؤسساتي، إلا أن الواقع الاقتصادي لم يشهد تحسناً ملموساً للفئات المهمشة التي تشكل القاعدة الاجتماعية للأمازيغ. إن الدولة، من خلال مؤسساتها، سعت إلى إدماج البعد الإثني ضمن سياسات رمزية دون تبني سياسات اقتصادية تعيد توزيع الثروة، ما يجعل المسألة الأمازيغية في جوهرها قضية طبقية تتطلب إعادة النظر في علاقات الإنتاج والملكية وليس فقط في الاعتراف الثقافي واللغوي.

إن التحليل الإبستيمولوجي لهذا الموضوع يبرز أن التعامل مع المسألة الأمازيغية غالباً ما تم في إطار ثنائية الثقافة والهوية، متجاهلاً التحليل الاقتصادي والاجتماعي. فخطابات الهوية، سواء الرسمية أو تلك التي تتبناها الحركات الأمازيغية، تمحورت حول المطلب اللغوي والرمزي دون ربطه بالتحليل المادي للبنى الاقتصادية التي تنتج التهميش والاستغلال. إن الرؤية الأنثروبولوجية تُظهر أن التمايز الإثني لم يكن يوماً عائقاً أمام الاندماج الاجتماعي، وإنما التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية هي التي عززت هذا التمايز في مراحل مختلفة. فالقبائل الأمازيغية لم تكن منعزلة عن باقي المكونات السكانية، بل كانت هناك تفاعلات مستمرة فرضتها أنماط الإنتاج وأساليب العيش، وهو ما يتناقض مع الطرح القائل بأن المسألة الأمازيغية هي فقط مسألة هوية مغيبة.

إن المقاربة السوسيولوجية لهذه المسألة تفرض النظر في الحركات الاجتماعية التي تبنت الدفاع عن الحقوق الأمازيغية، حيث يمكن ملاحظة أن هناك تباينات في الخطاب والمطالب، فبينما تتبنى بعض التيارات خطاباً ثقافياً يركز على استعادة الهوية، هناك اتجاهات أكثر راديكالية تربط النضال الأمازيغي بالنضال الاجتماعي ضد الاستغلال والهيمنة الاقتصادية. إن هذه التباينات تكشف عن طبيعة الصراع الداخلي داخل الحركة الأمازيغية بين من يسعى إلى الإصلاح ضمن البنية القائمة، ومن يرى أن المسألة الأمازيغية لا يمكن فصلها عن الصراع الطبقي العام في المجتمع.

إن فهم المسألة الأمازيغية يتطلب إذن تجاوز الطرح الثقافوي الضيق نحو تحليل شامل يأخذ بعين الاعتبار التفاعل الجدلي بين الإثني والطبقي، حيث أن أي مقاربة تحاول عزل الهوية عن الاقتصاد لن تكون سوى إعادة إنتاج لنفس التفاوتات القائمة. إن الصراع من أجل الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية يجب أن يترافق مع نضال أوسع من أجل العدالة الاجتماعية وتفكيك علاقات الاستغلال، وإلا سيظل هذا الاعتراف شكلياً يخدم فقط الفئات المهيمنة دون تغيير جوهري في شروط العيش للفئات الأمازيغية الكادحة.
الحسيمة في 02 ابريل 2025
ابو علي بلمزيان