الاحتكار المعرفي..استعمار ناعم يُقصي شعوبنا من المستقبل

محمد التكانتي

بقلم : محمد التكانتي

في أوروبا الإقطاعية، لم يكن العلم متاحًا لعامة الناس. فقد كان محصورًا بين جدران الكنائس وصالونات النبلاء، يُستعمل كوسيلة للسيطرة أكثر من كونه أداة للتحرر.

كان التعليم امتيازًا طبقيًا، لا حقًا جماهيريًا. واليوم، وبعد قرون من التنوير والانفتاح الظاهري، يبدو أن العالم يسير نحو نسخة محدثة من ذلك الماضي، ولكن بثوب أكثر أنيقة، وبوسائل أكثر نعومة: تحالف العلم مع الهيمنة.

الواقع يُظهر أن المعرفة، التي يُفترض أن تكون مشاعًا إنسانيًا، تُحتكر اليوم من قبل القوى الكبرى، وتُدار وفق منطق السوق والهيمنة. الغرب، بتحالفاته السياسية والتكنولوجية والعسكرية، وبشكل خاص عبر تنسيقه العميق مع الكيان الصهيوني، لا يكتفي بتفوقه، بل يعمل على منع الآخرين من اللحاق به.

❖ شكل جديد من المنع

في منطقتنا، لم نعد نحتاج إلى قرارات صريحة تمنع الناس من دراسة الفيزياء أو الكيمياء أو الهندسة. فهناك أدوات أكثر فاعلية وأقل ضجيجًا:

إضعاف التعليم العمومي وإفراغه من محتواه العلمي النقدي.

تهميش البحث العلمي في الميزانيات الوطنية.

إلحاق الجامعات المحلية بمشاريع تمويل غربية مشروطة.

تشجيع هجرة الكفاءات عبر أبواب مغرية للدراسة أو العمل في الخارج.

فحين يُحرم الطالب من مختبر، والأستاذ من تمويل، والمؤسسة من استقلال القرار، فإن النتيجة واحدة: منع غير مباشر من الفهم والإبداع والإنتاج.

❖ أرقام تُفصح عن المأساة

لنفهم عمق الهوة، يكفي أن نطالع بعض الأرقام:

في المغرب، لا تتجاوز ميزانية البحث العلمي 0.8% من الناتج الداخلي الخام (وغالبًا ما تُقدَّر بـ 0.6% فقط)، وهي نسبة هزيلة مقارنة بدول مثل:

كوريا الجنوبية: أكثر من 4.5%

إسرائيل: حوالي 5.4%

الولايات المتحدة: نحو 3%

وفقًا لتقرير اليونسكو، فإن العالم العربي ككل لا يسهم بأكثر من 1% من الإنتاج العلمي العالمي، رغم أن عدد سكانه يتجاوز 5% من سكان العالم.

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن قصور في التمويل، بل عن فلسفة سياسية تعجز عن رؤية المستقبل خارج منطق الاستهلاك والاستيراد.

❖ تبعية ممنهجة

تتعمق الأزمة حين ندرك أن جزءًا كبيرًا من تمويل الأبحاث في جامعاتنا يأتي من مراكز غربية ذات أجندات خاصة. وهذا التمويل غالبًا ما يُوجَّه نحو مجالات لا علاقة لها بالتصنيع أو الأمن أو التكنولوجيا الاستراتيجية، بل نحو “دراسات النوع الاجتماعي” أو “التحولات الديمغرافية” أو “الحوكمة”، وهي مواضيع مهمة في ذاتها، لكنها لا تصنع دولًا مستقلة، ولا تبني معامل ولا أقمارًا صناعية.

الأخطر من ذلك أن كل محاولات امتلاك المعرفة المرتبطة بالقوة (الطاقة النووية، الصناعات الدفاعية، الذكاء الاصطناعي السيادي…) تُواجه بمنع خارجي أو تجريم داخلي.

انظر إلى العراق حين سعى لتطوير برنامجه النووي، أو إلى سوريا التي استُهدفت منشآتها البحثية، أو حتى إلى إيران التي تتعرض للحصار لمجرد محاولتها السيطرة على دورة الوقود النووي، رغم كونها موقعة على معاهدة عدم الانتشار.

❖ من الاحتكار إلى الاستعمار

ما يحدث ليس مجرد تقصير، بل هو امتداد لمنظومة استعمارية جديدة، تتخذ من المعرفة والمعلومة والتقنية أدوات للهيمنة بدل الجيوش والدبابات.

يُمنع علينا تصنيع السلاح.

يُفرض علينا استيراد البرمجيات دون شفرتها المصدرية.

يُراقَب تطورنا الصناعي بدقة.

وتُشجَّع نخبنا الشابة على الرحيل بدل الاستثمار في قدراتها.

وهكذا نتحول من منتجين محتملين إلى مستهلكين أبديين، ومن أمة قادرة على المشاركة في صياغة العالم إلى هامش يعيش على فتات المنظومة.

❖ الحاجة إلى سيادة معرفية

إذا أرادت شعوب منطقتنا أن تنهض، فإن أولى المعارك يجب أن تكون معركة الوعي بسيادة المعرفة. يجب أن نعيد الاعتبار للتعليم والبحث العلمي، لا كشعارات انتخابية، بل كخيار استراتيجي طويل النفس.

يجب أن تُضخ ميزانيات حقيقية في الجامعات والمختبرات.

يجب فك الارتباط بالتمويل الخارجي الموجه.

ويجب حماية العقول من التسرب والهجرة والتهميش.

فلا نهضة سياسية دون سيادة معرفية، ولا استقلال حقيقي بدون تحكم في أدوات العلم والتقنية والإنتاج.

الاحتكار المعرفي ليس نظرية مؤامرة، بل واقع ملموس. وإذا لم ندرك مبكرًا أن المعركة الحقيقية تُخاض اليوم داخل الأقسام الدراسية والمختبرات ومراكز التفكير، فسيأتي يوم يُصبح فيه حتى تعلم الفيزياء ترفًا، بل خطرًا.
حينها لن نُمنع من دخول المصانع فقط، بل من الحلم.