التطبيع مع الكيان الصهيوني: شرخ في الوجدان المغربي وتهديد للهوية

محمد التكانتي

بقلم: محمد التكانتي

لطالما كانت القضية الفلسطينية محطّ إجماع وطني في المغرب، تُجمِع عليها القيادة السياسية كما تحتضنها مختلف مكونات المجتمع المدني والثقافي والديني، بل وتُدرَج ضمن القضايا المصيرية التي تُمثّل الامتحان الحقيقي للضمير الجمعي المغربي. فمنذ بدايات النكبة، ظلّ المغاربة يعتبرون فلسطين قضية وطنية بامتياز، لا تقلّ أهمية عن قضايا التحرر والكرامة في الداخل.

لكن، منذ الإعلان عن استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب والكيان الصهيوني في دجنبر 2020، ضمن ما يُعرف باتفاقات أبراهام، برز شرخ واضح في الجبهة الداخلية. فئة قليلة تبرّر التطبيع بدوافع استراتيجية واقتصادية، مقابل غالبية شعبية رافضة لهذا المسار، ترى فيه خيانة لتاريخ من التضامن، وانزياحًا خطيرًا عن المبادئ والقيم المشتركة.

الهوية المغربية في مهبّ الريح

لا يمكن فصل الموقف الشعبي الرافض للتطبيع عن التركيبة القيمية للمجتمع المغربي، المتجذرة في نصرة المظلوم ومناهضة الظلم، وهي قيم مستمدة من الإسلام، والهوية الوطنية، والموروث الإنساني الذي تعزز عبر قرون. لهذا، فإن التطبيع مع كيان عنصري استيطاني يمارس الإبادة ويعتدي على المقدسات الإسلامية والمسيحية، يُعتبر صدمة أخلاقية ورمزية.

في هذا السياق، يقول المؤرخ المغربي المعطي منجب:
“تطبيع العلاقات مع إسرائيل لا يمكن أن يُبرَّر، لأن المغرب دولة ذات هوية حضارية وإنسانية، والمغاربة كانوا دائمًا في صف القضية الفلسطينية، لأنها قضية عدل وكرامة”.

أما الباحث في الشأن السياسي خالد البكاري، فيرى أن:
“التطبيع يمثل تهديدًا لهوية المغرب كبلدٍ شكلت فيه القضية الفلسطينية جزءًا من التكوين الثقافي والسياسي للنشء والمجتمع”.

اختراق استراتيجي يُهدد السيادة

من يروّج لفكرة أن التطبيع “مصلحة وطنية”، يتغافل عن التداعيات العميقة لهذا القرار على المدى البعيد. فالمصالح الاقتصادية أو الأمنية الظرفية لا تبرر إدخال كيان استيطاني توسعي إلى النسيج السيادي المغربي، لا سيما في مجالات حساسة كالأمن الإلكتروني والتعليم والبحث العلمي.

تقرير لمنظمة “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS” فرع المغرب، نبه إلى أن:
“الاختراق الصهيوني المتسارع في المؤسسات التعليمية والإعلامية يحمل في طياته تهديدًا لبنية المجتمع، ويكرس التبعية والارتهان”.

ويشير التقرير إلى توقيع ما يزيد عن 30 اتفاقية تعاون بين المغرب وإسرائيل في ظرف عامين فقط، في مجالات تشمل الدفاع، الزراعة، الابتكار، التعليم، والتكوين المهني، وهو ما اعتبره “اختراقًا ناعمًا” يهدف إلى إعادة تشكيل منظومة القيم والمصالح.

المعركة الحقيقية: معركة الوعي

إن التطبيع لا يُفرض فقط عبر القنوات الرسمية، بل أيضًا عبر محاولة إعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتقديم الكيان الصهيوني كـ”شريك طبيعي”، وتهميش السردية الفلسطينية. من هنا، تبرز أهمية المقاومة الثقافية والفكرية، كجدار صدّ ضروري أمام زحف التطبيع إلى العقول والقلوب.

لقد خرج الشعب المغربي في عدة مدن، مرارًا، رافعًا راية فلسطين، رافضًا كل أشكال التطبيع، رغم التضييق الإعلامي والأمني. وهو ما عبّر عنه القيادي في مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، عبد القادر العلمي، بقوله:
“الشعب المغربي قال كلمته بصوت عال: لا للتطبيع، نعم لفلسطين، وكل ما عدا ذلك هو تزوير لإرادة الأمة”.

لا مصلحة في الانحياز للغطرسة:

مهما حاولت بعض الأصوات تبرير التطبيع تحت غطاء “المصلحة العليا”، فإن المصلحة الحقيقية تكمن في الانحياز للمظلوم، لا الشراكة مع الظالم. فالمغرب، بموقعه وتاريخه وقيمه، لا يمكنه أن يربح من تحالفٍ مع كيانٍ يقوم على القتل والتهجير والاستيطان.

إن القضية الفلسطينية ليست ملفًا خارجيًا عابرًا، بل مرآة لضمير الأمة، وامتحان لثوابتها الأخلاقية والسياسية. والتطبيع، بما يحمله من تداعيات، ليس مجرد قرار دبلوماسي، بل مسار يتطلب مقاومة مستمرة، من أجل الحفاظ على هوية المغرب، وموقعه الأخلاقي في خارطة الشعوب الحرة.