المرتضى إعمراشا: قلق الذاكرة ومأزق الاندماج: هوية الريف في مرآة سيكولوجيا الأقلية

المرتضى إعمراشا

لا يكفي لفهم سلوك الجماعات البشريّة، وتفكيك مساراتها في التاريخ، أن نقف عند حدود دراسة ظروفها السياسية المباشرة، أو تقليب دفاتر أوضاعها الاقتصادية والطبقيّة المعاصرة، إذ ثمة طبقة أعمق بكثير من الوعي تتشكل على مهل، وعبر تراكمات ممتدة من التجارب التاريخية والنفسية المشتركة، هذه الطبقة الخفية، المكونة من المشاعر المخزونة، والتمثلات المتبادلة، وطرائق النظر إلى الذات وإلى الآخر، هي ما يمنح الجماعة نسقها الروحي والوجودي؛ وحين تعيش جماعة ثقافية أو لغوية معينة زمناً طويلاً في علاقة غير متكافئة مع مركز سياسي أو ثقافي مهيمن، فإن هويتها لا تتشكل فقط من خلال مقوماتها التاريخية الأصيلة، بل عبر جدلية نفسية معقدة يتداخل فيها ما تخشاه هذه الجماعة في مستقبلها، مع ما تحاول الحفاظ عليه من ماضيها، وما تسعى إلى انتزاعه من اعتراف في حاضرها، ومن هذه الزاوية التحليلية الدقيقة، يمكننا مقاربة بعض السلوكات الجماعية لأبناء الريف في المغرب المعاصر، لا بوصفها أحكاماً جوهرية مطلقة تصدق على كل فرد بنوع من التنميط الجاف، بل باعتبارها ملامح لنوع من “سيكولوجيا الأقلية” التي تفسر التناقضات الظاهرة في السلوك الجمعي، حيث يحمل الريفي، بحكم تضافر التاريخ والجغرافيا واللسان، وعياً حاداً بخصوصيته وتميزه، غير أنه، في الآن ذاته، يتحرك داخل فضاءات وطنية وعالمية أوسع تفرض عليه شروط الاندماج والتلائم اليومي، ومن هنا ينشأ ذلك التوتر البنيوي الدائم بين دافعين متناقضين: الرغبة العميقة في صون الذات التاريخية من الذوبان، والنزوع البراغماتي نحو تجنب العزلة والانقطاع عن مجاري العصر.

إن هذا التوتر السيكولوجي الذي يسم الوعي الريفي المعاصر ليس وليد مصادفة عابرة، بل هو نتاج مسار تاريخي متصل الحلقات، يمتد من مرحلة ما قبل الاستقلال إلى غاية اللحظة الراهنة، ويشكل الخلفية الأساسية لفهم تقلبات هذا الوعي؛ ففي مرحلة ما قبل الاستقلال، تشكل المجال الإنساني الريفي كفضاء جغرافي واجتماعي يمتلك نوعاً من الاكتفاء الذاتي المادي والرمزي، وحيث كانت اللغة الريفية “تاريفيت” هي الأداة الحيوية الوحيدة لإنتاج المعنى وتداول شؤون الحياة، وتجلى هذا الوعي الحاد بالذات في تجربة المقاومة الريفية ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي، وهي التجربة التي لم تكن مجرد ذود عسكري عادٍ عن الأرض، بل كانت إعلاناً مبكراً عن فاعلية تاريخية صلبة قادرة على التنظيم وبناء المؤسسات، مما رسخ في وجدان الريفي صورة “الذات الفاعلة” والندية في مواجهة الآخرين، غير أن منعرج الاستقلال وما تلاه من مسارات بناء الدولة الوطنية الحديثة أحدثا شرخاً عميقاً في هذه السيكولوجيا، إذ اصطدم طموح الهامش الريفي في نيل تمثيل رمزي وسياسي يوازي تضحياته التاريخية، بسياسات المركزية الصارمة للدولة الناشئة التي رأت آنذاك في الخصوصيات الجهوية واللسانية تهديداً لخطاب التجانس والوحدة الوطنية، هذا الصدام أنتج تاريخاً مركباً من التوترات السياسية والسجالات الرمزية، تحول معها الريف في وعي المركز إلى مساحة جغرافية وثقافية قلقة تحتاج دوماً إلى احتواء ومراقبة، بينما تدحرجت صورة الريفي في المخيال الجماعي العام من مقاوم صانع للتاريخ إلى نمط اختزالي يتأرجح بين صفات التمرد والعناد والانكفاء على الذات.

هذه المسارات التاريخية القلقة تفسر كيف تحول الريف على مر العقود إلى بؤرة لتفجر احتجاجات دورية، تعيد إنتاج نفسها كلما شعرت الجماعة بتهديد يمس كينونتها أو كرامتها الرمزية، ولم يكن “حراك الريف” الأخير سوى التجلي المعاصر والأكثر كثافة لهذه السيكولوجيا المتوترة، فالنظر إلى الحراك من خلال مطالب الاقتصاد والعدالة المجالية وحدها يغفل الحقيقة الأعمق، وهي أن تلك المطالب الاجتماعية المرفوعة كانت في جوهرها غطاءً لحاجة نفسية وجماعية تتعلق بالاعتراف بالذات ورفع التهميش الرمزي المتراكم، وفي هذا السياق تحديداً، جاء صوت ناصر الزفزافي ليمثل تلك الصرخة السيكولوجية الجماعية التي اختزلت في نبرتها وجسارتها لغة الهامش المكبوتة، وأعادت إحياء تمثلات الذات الفاعلة والندية في مواجهة المركز، فكانت تلك الصرخة بمثابة استدعاء لا واعي لرموز المقاومة التاريخية كآلية دفاعية نفسية، يسعى من خلالها المجتمع المحلي إلى إجبار الفضاء العام على الإنصات لروايته الخاصة، والاعتراف بخصوصيته خارج قوالب التنميط الجاهزة، وهي الأحداث التي تثبت أن جمر السيكولوجيا الجمعية يظل متقداً تحت رماد التهدئة، قابلاً للاشتعال كلما تلاقت شروط الاحتقان الاجتماعي مع أزمة الاعتراف الرمزي بالمجال الإنساني.

ومع ذلك، فإن هذا الاغتراب الرمزي والسياسي واكبه نزيف ديموغرافي واقتصادي صامت، انطلق كموجات هجرة مكثفة نحو الحواضر المغربية الكبرى ونحو الشتات الأوروبي، مما دفع بالهوية الريفية إلى معمعة التوازنات اللغوية الجديدة، ومع صدور المعطيات الديموغرافية الأخيرة، تبدت بوضوح ملامح المأساة اللغوية التي تعيشها تاريفيت، فالأرقام لا تعكس مجرد تراجع عددي في الساكنة، بل تؤشر على تآكل الحاضنة البشرية الحيوية للغة؛ حيث تعاني القرى والمداشر في أقاليم كالحسيمة والناظور والدريوش، والتي كانت تمثل الخزان البشري الحصين للسان الريفي، من شيخوخة متسارعة نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة واستمرار جاذبية الهجرة، وحين يفرغ المجال من طاقاته الشابة، فإن اللغة تفقد مجالاتها الحيوية التي تمنحها الحياة والتداول اليومي، وتتحول بالتدريج من أداة حية للتعامل مع الواقع والإنتاج، إلى قطع أثرية يتداولها الشيوخ في مجالس التذكر.

وهنا تنفتح سيكولوجيا الأقلية لتفكك لنا واحدة من أبرز المفارقات المؤلمة في واقع الريفيين اليوم، سواء في الحواضر أو في دول المهجر، وهي كيف يمكن لجماعة أن ترفع شعارات الدفاع عن لغتها وتاريخها بنبرة حماسية عالية، بينما تتخلى عنها في ممارساتها اليومية داخل البيوت دون الاستشعار بوجود تناقض قيمي، إن التفسير لا يكمن في ضعف الانتماء أو انقطاع الوفاء للجذور، بل في منظومة المخاوف غير الواعية الباحثة عن شروط الأمان والمستقبل؛ فالخوف المشروع على مستقبل الأبناء، والحرص على تسهيل تموقعهم في سوق الشغل والإدارة والتعليم، هي آليات نفسية تدفع العائلات دفعاً إلى تبني لغة المركز والاهتمام بها على حساب اللغة الأم، فتتحول الرغبة في الترقي الاجتماعي إلى سبب غير مقصود في تراجع استعمال تاريفيت، وتزداد المعضلة عمقاً حتى مع مأسسة اللغة الأمازيغية ودسترتها، إذ إن السعي نحو تبني “أمازيغية معيارية موحدة” أنتج في واقع الأمر تحدياً فكرياً وميدانياً كبيراً، يتعلق بكيفية التوفيق بين الحاجة إلى لغة معيارية مكتوبة وموحدة لتدبير الشأن العام، وبين ضرورة الحفاظ على الحيوية الطبيعية للتنوعات اللسانية المحلية والشفاهية وعلى رأسها اللغة الريفية، فبدل أن تجد تاريفيت في هذا المسار حاضنة تحميها، وجدت نفسها في مواجهة ثنائية جديدة تزيد من غربتها بين واقعها الشفاهي الحي والنموذج المعياري المدرس، مما عمق الفجوة اللغوية لدى الأجيال الجديدة التي باتت تمتلك نوعاً من الذاكرة اللغوية السلبية؛ أي القدرة على فهم لغة الأجداد دون القدرة على إنتاجها وتداولها في فضاءات الحياة.

بيد أن الوجه الآخر لسيكولوجيا الأقلية لا يقتصر على الانكماش والتراجع، بل يمتد ليتجلى في قدرة استثنائية على المقاومة والحضور الحركي، فالجماعات التي تتكئ على ذاكرة تاريخية صلبة تملك إمكانية تحويل شعورها بالهامشية إلى طاقة خلاقة ومحفز للتميز والفاعلية، كما أثبتت ذلك تجارب لغات إقليمية عبر العالم استطاعت أن تخرج من دائرة التهديد والاندثار إلى فضاء التمكين والمأسسة، إن هذا التحول في واقع الريف مشروط بوعي نخبوي جديد ينقل الجماعة من منطق الدفاع العاطفي المستهلك للطاقة في طقوس الشكوى والصرخات الموسمية، إلى منطق البناء العقلاني، واستثمار الرأسمال الثقافي الرقمي عبر تحويل الفضاء الافتراضي إلى وطن بديل يربط الشباب في الحسيمة بأقرانهم في الشتات عبر منصات وصناعة محتوى حديثة وتفاعلية، تخرج الهوية من طابعها الفلكلوري المستكين إلى أفق المأسسة الرصينة التي تشارك في قيادة الحداثة بدل الخوف منها.

بناءً على هذا، فإن السؤال المصيري المتصل الذي يواجه الريفيين اليوم في مسارهم التاريخي ليس مدى اعتزازهم بهويتهم، فالغالبية الساحقة تحمل ارتباطاً وجدانياً وثيقاً بأصولها، وإنما السؤال الأكثر إلحاحاً وإيلاماً هو: هل هذا الاعتزاز الوجداني قادر على التحول إلى سلوك وممارسة واعية وممنهجة تحمي اللسان وتورث الذاكرة وتبني المؤسسات، أم أنه سينكفئ ليصبح مجرد نوستالجيا وحنين فلكلوري يزداد صراخه لفظياً كلما تآكلت شروط وجوده المادي في الواقع؟ إن أخطر مراحل التراجع التاريخي للجماعات الثقافية لا تبدأ حين يتجاهلها الآخر أو يهمشها المركز، بل حين يشرع أبناؤها في تفكيك أدوات بقائها اللغوي والرمزي بأيديهم، متوهمين أنهم بذلك يحصنون مستقبل أبنائهم؛ فالهزيمة الحقيقية لا تقع حين يفقد الهامش صوته في منابر السياسة، بل حين يتوقف الآباء عن تلقين أبنائهم لغة الأجداد، ويبدأ الوعي الجمعي بالنظر إلى مرآته الثقافية وتراثه اللساني باعتباره إرثاً متحفياً ينتمي للماضي، إذ إن الجماعات لا تبدأ في الاختفاء عندما يهزمها الآخرون في معارك التاريخ، بل عندما تتخلى هي نفسها، بصمت، عن أدوات بقائها.