المغرب تحت وطأة التغير المناخي: كيف تتحول الأزمة البيئية إلى معضلة اجتماعية؟

جمال العلاوي، باحث في ماستر إدارة التنمية الاجتماعية بكلية الناظور

لم يعد التغير المناخي مجرد نقاش فكري يتداوله الأكادميون في الملتقيات العلمية، أو ظاهرة بعيدة تقتصر على ذوبان الجليد في القطبين، بل تحول في المغرب إلى واقع يومي حارق يتسلل إلى بيوتنا، ويعيد صياغة تفاصيل حياتنا، ويهدد بشكل مباشر قوتنا اليومي، وصحة أطفالنا وكبار السن منا، ومستقبل مدارسنا، واستقرار وظائفنا، وأمان مساكننا.

فخلف التقارير والأرقام الرسمية الوطنية والدولية، تختبئ تراجيديا إنسانية واجتماعية حقيقية يواجهها المغاربة اليوم، وهو ما حاولت الكشف عنه في رسالتي لنيل دبلوم الماستر في موضوع التغيرات المناخية وآثارها على التنمية الاجتماعية بالمغرب تحت إشراف الدكتور محمد الرضواني المنسق البيداغوجي لماستر إدارة التنمية الاجتماعية بكلية الناظور، حيث كان إنجاز هذه الرسالة مناسبة لجمع المعطيات والأرقام والمؤشرات المرتبطة بتغير المناخ وتفكيك آثارها على القطاعات التنموية بالمغرب وعلى المشهد الاجتماعي بشكل عام، وقد بدا لي أنه من المفيد تقاسم بعض هذه المعطيات مع المهتمين بالموضوع نظرا لأهميتها الحيوية، ونظرا أيضا للحاجة إلى فهم الآثار الاجتماعية لتغير المناخ، خاصة وأن أغلب الكتابات الأكاديمية وحتى الصحفية تركز على الآثار البيئية والاقتصادية دون الكشف عن الأبعاد الاجتماعية للاضطرابات المناخية، لذلك فإن هذا المقال لا يقدم تشخيصا تقنيا لتغير المناخ، بل يفتح الصندوق الأسود لآثار هذا التغير على حياتنا اليومية، ويستعرض العلاقات المعقدة بين هذه الآثار ومستقبل التنمية الاجتماعية بالمغرب.

   

الأرقام الصادمة: العطش والجوع على الأبواب

تعرف الموارد المائية للمغرب اليوم أسوأ كوابيسها، فالمواطن المغربي الذي كان يتمتع بحصة مائية تفوق 2500 متر مكعب سنويا في الستينيات من القرن الماضي، أصبح اليوم يجد نفسه يصارع الجفاف بأقل من 650 متر مكعب، وهي نسبة تضع المغرب ضمن الدول التي تتسم بندرة المياه (أقل من 1000 متر مكعب للفرد)، مع توقعات مخيفة بهبوط هذه الحصة إلى أقل من 500 متر مكعب بحلول عام 2030، وهو ما يصنف عالميا بالعتبة المطلقة لندرة المياه .

ورغم النسب المرتفعة من الأمطار  والفيضانات التي عرفها المغرب بداية سنة 2026، والتي تندرج بدورها ضمن الظواهر المناخية غير الطبيعية، إلا أن حجم تأثيرها على وفرة الموارد المائية يظل محدودا، خاصة في ظل موجات الحرارة الموالية، وضعف بنيات جمع وتخزين مياه هذه الأمطار، وعدم كفاية سياسة السدود التقليدية التي سرعان ما تتراجع المياه المخزنة فيها بسبب الاستغلال المفرط والتبخر الناتج عن الحرارة.

 

إن الجفاف الهيكلي والارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة التي سجلت زيادة قياسية بمقدار 1.5 درجة مئوية في السنوات الأخيرة مقارنة بمتوسط ما قبل ستينات القرن الماضي، لم يحرق المحاصل الزراعية فقط، والتي عرفت تراجعا كبيرا من حيث كميتها والمساحة الصالحة لها، خاصة ما ارتبط منها بالحبوب التي تراجعت كمية انتاجها من 84 مليون قنطار سنة 2010 إلى 31 مليون قنطار سنة 2024، ثم الانتاج الحيواني  الذي انخفض بنسبة 38 في المئة سنة 2025 مقارنة مع السنوات السابقة بفعل تدهور المراعي وغلاء الأعلاف وانهيار الفلاحة المعيشية الصغرى التي كانت تزود السوق الوطنية بالمواد الغذائية الأساسية. بل امتدت آثار هذا الاحترار لعمق البحر، حيث سجل تفريغ سمك السردين ــ المصدر الأساسي لبروتين الفئات البسيط ـــ تراجعا حادا فاق 42 في المئة نتيجة اختلال حرارة التيارات البحرية.

 إنها ببساطة معادلة تهدد الأمن الغذائي في الصميم، وتعيد طرح الحاجة إلى  إعادة بناء أسس تحقيق السيادة الغذائية كأولوية قصوى، خاصة وأن كلفة الاعتماد على الخارج لضمان توفير الغذاء أصبحت مرتفعة جدا، حيث انتقلت قيمة واردات المغرب من الحبوب والمواد الغذائية من 34 مليار درهم سنة 2015 إلى 115 مليار درهم سنة 2025، وهذه القيمة مرشحة للارتفاع ما لم تتم إعادة النظر في الاختيارات الفلاحية وتعزيز الفلاحة المستدامة وتطوير الفلاحة الذكية مناخيا وتوجيه الانتاج والتوزيع نحو تحقيق الحاجيات الوطنية أولا قبل التصدير.

 

الوجه الاجتماعي للأزمة: ما لا تقوله النشرات البيئية

حين تضرب العواصف والموجات الحارة، فإنها لا تكتفي بتهديد الطبيعة، بل تضرب أضعف حلقات المجتمع، فعلى مستوى الصحة العامة، تشير البيانات إلى أن الوفيات المرتبطة بموجات الحرارة المفرطة باتت تتراوح بين 3 و 3.25 في المئة من إجمالي الوفيات السنوية بالمغرب، وهي نسبة مرتفعة جدا مقارنة مع المعدلات العالمية، بل ومرشحة للارتفاع في ظل تواتر موجات الحرارة المفرطة، كما أن الفيضانات والسيول تساهم بشكل كبير في انتشار الجراثيم والبكتيريا، وتتسبب أيضا في تزايد نسب الأمراض النفسية والعقلية الناتجة عن الهلع والخوف والذعر، وهو ما يطرح أسئلة حقيقية حول القدرة على استيعاب هذه الأمراض المناخية من طرف المنظومة الصحية  الوطنية التي تعاني أصلا من الهشاشة.

وعلى مستوى قطاع التعليم، يتحول المناخ في القرى والمناطق النائية إلى عامل مساهم في الهدر المدرسي، فانهيار دخل الأسر الفلاحية بسبب الجفاف يجبر العائلات على سحب أبنائها من فصول الدراسية، كما أن السيول الجارفة تساهم في قطع الطرق وتوقف الدراسة في المناطق التي لا تتوفر على بنيات تحتية مؤهلة للتنقل في مثل هذه الظروف المناخية، إضافة إلى أن العديد من الدراسات العلمية أثبتت بأن قدرة المتعلمين على التركيز والتحصيل العلمي تتراجع في ظل ارتفاع درجات الحرارة، خاصة وأن  أغلب مؤسساتنا التعليمية لا تتوفر على وسائل تبريد، وتتميز أقسامها بالاكتضاض حسب المعطيات الرسمية التي تنشرها وزارة التربية الوطنية.

أما السكن، فقد كشفت الفيضانات الأخيرة، (خاصة فيضانات آسفي التي أودت بحياة 37 شخصا، وفيضانات طاطا، ثم فيضانات القصر الكبير ونواحيه)، عن هشاشة البنية التحتية للمدن والمباني القريبة من الأودية والسدود والسواحل، مهددة  آلاف الأسر القاطنة في أحياء شعبية غير مهيكلة، وتجمعات سكنية ذات بناء هش بالقرى والبوادي،  وحتى درجات الحرارة المرتفعة تؤثر سلبا على جودة المباني، وتساهم في  تدهور مواد البناء وتآكل واجهات  المباني، وهو ما بات يفرض اعتماد مقاربة جديدة في سياسات التعمير والتهيئة الحضرية عبر استحضار البعد المناخي في مختلف المخططات المرتبطة بتأهيل المجالات الترابية، وتطوير تصاميم البناء ومعايير السكن  بما يحقق القدرة على التكيف مع مختلف الظواهر المناخية المتطرفة. 

 وتمتد آثار تغير المناخ إلى عالم الشغل، فمع توالي سنوات الجفاف فقد قطاع الفلاحة والغابات بالمغرب  أزيد من 137 ألف منصب شغل سنة 2024، كما ارتفع عدد الأشخاص النشيطين في وضعية الشغل الناقص إلى 549.000 بالوسط القروي سنة 2025، الأمر الذي ساهم في ارتفاع نسب البطالة إلى أزيد من 30 في المئة ببعض الأقاليم التي يشكل القطاع القطاع الفلاحي المصدر الرئيسي للتشغيل. ولا يتوقف الأمر هنا، بل تشير إحدى تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن الكثير من الوظائف المرتبطة بالسياحة والصيد البحري قد يتم فقدانها بسبب تغير المناخ، كما أن ساعات العمل وظروفه ستتأثر بدورها بالحرارة في الأماكن المفتوحة  (البناء، الأعمال الزراعية..)

ومن الطبيعي أن يدفع فقدان الوظائف بالعالم القروي، وتراجع الموارد المائية، وضعف الانتاج الفلاحي إلى هجرة واسعة من البوادي نحو المدن وهوامشها، وقد كشفت إحصائيات سنة 2024 بأن القرى المغربية فقدت أزيد من أربعة ملايين نسمة لصالح المدن منذ سنة 2014، وكان تغير المناخ وآثاره على البادية أحد عوامل تخلي سكان القرى عن أراضيهم  ومزروعاتهم ومواشيهم، وتنقلهم نحو المدن بحثا عن فرص عيش أفضل.

 

السياسات العمومية المناخية: فجوة بين الطموح والواقع

على الرغم من المصادقة المبكرة للمغرب على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمناخ، وريادته في مشاريع الطاقات المتجددة، والتزامه بخفض الانبعاثات بنسبة 53 في المئة بحلول عام 2035، ووضعه لاستراتيجيات وتشريعات وطنية عديدة تهدف إلى الحد تنفيذ هذا الالتزام والتكيف مع تغير المناخ، إلا أنه تسجل فجوة كبيرة بين الطموح المعلن وواقع التنفيذ، فنسب الانبعاثات آخذة في الارتفاع بسبب تزايد استهلاك الطاقة ذات المصدر الأحفوري، وضعف آليات تدبير  ومعالجة النفايات التي تنتج غاز الميثان، واستمرار دعم الفلاحة الصناعية الموجهة أساسا للتصدير، كما أن تدابير التكيف مع تغير المناخ لا زالت ضعيفة مقارنة مع الوتيرة المتسارعة لآثار الاضطرابات المناخية على المجتمع المغربي، حتى أنه من الصعب الحديث عن وجود “سياسات التكيف” نظرا لغياب رؤية شمولية والتقائية بين مختلف القطاعات الحكومية، والتأخر في إخراج مخطط وطني للتكيف مع تغير المناخ، وعدم تفعيل وظائف وأدوار اللجنة الوطنية لتغير المناخ والتنوع البيولوجي، وضعف مشاركة الفاعلين المحليين في اقتراح الحلول والسياسات القادرة على التأقلم مع تغير المناخ بما يتوافق مع خصوصيات كل منطقة، إضافة إلى ضعف تفعيل أدوار ووظائف  جهاز شرطة المياه وعدم تزويده بالامكانيات والموارد البشرية القادرة على حماية الثروة المائية من الاستنزاف المفرط الذي تتعرض له من طرف شركات الزراعة التصديرية.

 

نحو عدالة مناخية حقيقية

إن مواجهة التغيرات المناخية بالمغرب لم تعد ترفا بيئيا،  أو قضية تهم فئة دون أخرى، بل هي معركة سياسية واجتماعية واقتصادية تتطلب تحولا شاملا من منطق إدارة الأزمات الاستعجالية إلى هندسة الصمود الاجتماعي في وجه الآثار الواسعة التي باتت تخلفها هذه التغيرات على بنية المجتمع المغربي.

نحن بحاجة إلى سياسات جديدة تضع الفئات الشعبية الأكثر تضررا من تغير المناخ في صلب اهتمامها، وتدعم البحث العلمي، وتستفيد من الخصوصيات المحلية والطاقات التي تزخر بها لوضع وإنتاج أساليب التكيف والتأقلم مع الاضطرابات المناخية، وتضمن توزيعا عادلا للثروات المائية والبيئية بين المجالات الترابية، لذلك أرى أن تعزيز جهود مواجهة التحديات المناخية التي أصبحت تشكل عائقا  حقيقيا أمام التنمية الاجتماعية بالمغرب، أصبحت تتطلب اتخاذ تدابير إضافية، وعلى رأسها:

  • اعتماد مبدأ العدالة المناخية في تنفيذ السياسات الاجتماعية عبر دعم الأسر والمناطق الأكثر تضررا من أجل الصمود والتأقلم، وذلك من خلال برامج خاصة تتعلق بتأهيل هذه المناطق، وإحداث صندوق التكيف مع تغير المناخ ممول من طرف الملوثين لتقديم المساعدة للفئات المتضررة التي تفقد ممتلكاتها أو وظائفها بسبب المناخ. 
  • إنجاز مخطط وطني للتكيف مع تغير المناخ، وتعزيز الالتقائية بين البرامج والسياسات المناخية لمختلف القطاعات.
  • مراعاة الخصوصيات البيئية والديموغرافية والجغرافية المحلية في تنفيذ البرامج والمخططات المناخية، وتمكين المجتمعات المحلية من اقتراح الحلول من خلال مجالس استشارية محلية وجهوية للمناخ، تضطلع فيها المنظمات غير الحكومية بدور رئيسي، مع دعمها بالإمكانيات والموارد اللازمة. 
  • إعادة النظر في الاختيارات الفلاحية الوطنية عبر تقليص دعم الفلاحة الموجهة للتصدير لتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية والمائية، والتوجه نحو دعم الفلاحة المستدامة كخيار استراتيجي قادر على تعزيز صمود القطاع الفلاحي في وجه التقلبات المناخية.
  • وضع معيار “مراعاة التغيرات المناخية” في عمليات تهيئة المجالات الترابية وتصاميم التنمية المحلية والتجزئات السكنية لتكييف النمو العمراني مع مختلف مظاهر تغير المناخ.
  • إدماج قضايا تغير المناخ في المناهج التعليمية والمقررات الدراسية، وفتح مسالك بحث متخصصة لتعزيز القدرة على تطوير المعرفة المناخية من زوايا مختلفة لإنتاج الحلول، ودعم حملات التثقيف والتحسيس بالمواضيع المرتبطة بتغير المناخ.
  • اعتماد مسالك متخصصة في كليات الطب ومعاهد التمريض حول الأمراض المناخية، وخلق فرق إنقاذ متخصصة في الكوارث المناخية، وتعزيز باقي مؤسسات التدخل والإنقاذ بالموارد البشرية والإمكانيات اللوجيستية والتكنولوجية.