المرتضى إعمراشا
في تلك الليلة الصاخبة من ليالي أوسلو الصيفية، حيث لا تغيب الشمس تماما بل تنسكب في الشفق كأثر باهت من نحاس مسال، لم يكن الهواء البارد المنبعث من جهة المضيق البحري كافياً لتلطيف حرارة الأنفاس التي تجمعت في المقهى الصغير القريب من الميناء. كنا نجلس متجاورين، “أولاف” الصديق النرويجي الذي تلمع في عينيه زرقة تشبه مياه الشمال العميقة مع حيوية شاب نشأ بين أحضان جبال الألب الاسكندنافية، وأنا المغترب السوري الذي يحمل في ملامحه وحقيبته الفكرية غبار حواضر الشرق المتربة وعبء قرون من الأسئلة المعلقة على جدران دمشق وحلب.
كانت شاشات العرض الكبيرة تنقل الدقائق الأخيرة من مباراة تاريخية كسر فيها المنتخب النرويجي طوق الترشيحات وحقق فوزاً تاريخياً مفاجئاً على البرازيل. ومع صافرة النهاية التي بدت وكأنها تفجر خزاناً من الوعي الجمعي الكامن، لم يعبر الجمهور عن بهجته بصراخ حديث عادي، بل حدث تحول أنثروبولوجي مهيب ومباغت؛ إذ ارتفعت في أرجاء المكان دقات طبول ضخمة، منتظمة، تحاكي ضربات مجاديف السفن الحربية القديمة في مواجهة العواصف، ووقف الجميع، لاعبين ومشجعين، يؤدون بإيقاع موحد متناغم طقس التجديف الفايكينغي الشهير، محركين أذرعهم في الهواء مع صيحات هادرة تنساب من الحناجر كأنها تستدعي أرواح المحاربين الذين ركبوا البحار قبل ألف عام. التفت إليّ أولاف، وقد احمر وجهه من الحماس واشتعلت عيناه ببريق الفخر، وقال وهو يضرب بيده على الطاولة بإيقاع الطبلة الهادرة: “ألا تشعر بهذا التدفق العظيم يا صديقي؟ إنها ليست مجرد كرة قدم، بل هو دم الأسلاف الذي يغلي في عروقنا، إنه نداء البحر والجسارة التي لا تقهر!” ابتسمت له مهنئاً، لكن عقلي المجهد بالأسئلة الفلسفية التقط في تلك اللحظة بالذات وميضاً من إشكالية تاريخية بالغة العمق؛ إذ تساءلت كيف يمكن لهذه الطبول، التي كانت قديماً تبشر بالخراب والنهب على شواطئ أوروبا، أن تتحول اليوم في وعي هؤلاء الشباب المتعلمين والمسالمين إلى إيقاع للفخر الجمالي والهوية الكونية الراقصة، بينما تتحول أيقونات وحواضر أخرى في جغرافيا حضارتي إلى متهم أبدي في قفص الاتهام المعاصر؟
من هذه اللحظة الاحتفالية الكثيفة بالرموز، انزلقنا تدريجياً، وأولاف يرتشف دفء قهوته بعد أن هدأت سورة الفرح الأولى، إلى حوار فلسفي عميق تجاوز المستطيل الأخضر ليعانق تخوم الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع المعرفي. بادرني أولاف قائلاً وهو يلاحظ حيرتي الفكرية: “أراك تفكر بعمق يا صديقي، هل ترى في طقوسنا هذه نوعاً من الشوفينية القومية أو محاولة لتمجيد ماضٍ نعلم جميعاً أنه لم يكن مثالياً؟” أجبته بهدوء يماشي برودة الطقس في الخارج: “لا يا أولاف، الأمر أبعد من الشوفينية، بل هو سؤال حول إنتاج الذاكرة؛ كيف استطعتم هنا، في هذا الشمال الهادئ الذي يعلم العالم اليوم قيم السلام وحقوق الإنسان، أن تصالحوا وجدانكم مع تاريخ الفايكينغ؟ نحن نعلم من كتب التاريخ أن أسلافك هؤلاء لم يكونوا مجرد مستكشفين شجعان، بل كانوا قراصنة قساة، داهموا الأديرة المعزولة، ونهبوا الكنائس، واسترقوا النساء والأطفال، وروّعوا شواطئ إنجلترا وفرنسا، بل إن كلمة الفايكينغ نفسها في اللغات القديمة كانت مرادفة للإغارة والقرصنة. فكيف يغسل العصر الحديث كل هذا الدم، ليصنع منه طقساً جميلاً تصفق له العائلات في مدرجات الملاعب وتفخر به الليبرالية النرويجية؟” تنهد أولاف ونظر عبر النافذة الزجاجية نحو السفن الراسية في الميناء، وأجاب بلغة تجمع بين اعتراف المؤرخ ووعي السوسيولوجي: “سؤالك في الصميم، وأنا لا أنكر غرام أسلافي بالدم والنهب؛ فالتاريخ الإنساني في عصوره الوسطى لم يكن حديقة عامة بل كان غابة مفتوحة على الصراع من أجل البقاء. لكن ما تراه اليوم ليس التاريخ الواقعي للفايكينغ، بل هو الذاكرة الثقافية التي أُعيد بناؤها وتشذيبها عبر قرنين من الزمن. في القرن التاسع عشر، ومع صعود النزعات القومية وبناء الهويات الوطنية في أوروبا، كانت النرويج تبحث عن مبرر لوجودها وعن تمايزها الثقافي والسياسي، فالجماعات البشرية بحاجة دائماً إلى ماضٍ بطولي يمنحها الثقة ويشد أزر تماسكها الاجتماعي في الحاضر. لقد تكفلت الروايات الرومانسية، والأوبرات الموسيقية، ولاحقاً السينما والمتاحف، بعملية تقشير واسعة لذلك الإرث؛ فتم عزل الجوانب العنيفة والدموية وبشاعة الاسترقاق، وجرى التركيز على روح المغامرة، والإبداع الهندسي في بناء السفن الطويلة، والقدرة الفريدة على ركوب المحيطات الصعبة، وتأسيس مجتمعات مبكرة تعتمد على مجالس شورى قبلية تسمى ‘التينغ’ والتي يُنظر إليها اليوم كجذور أولى للديمقراطية البرلمانية الاسكندنافية. إنها تكنولوجيا الذاكرة التي تحول العنف التاريخي الفظ إلى طاقة رمزية ناعمة تعزز انتماء الأمة المتخيلة وتمنحها شعوراً بالتميز والجمال في عالم معولم.”
قاطعت أولاف بتقدير كبير لصراحته الفكرية، مبيناً أن ما يصفه بدقة يتطابق مع النظريات التي تفسر كيف تعيد الجماعات بناء ماضيها لخدمة احتياجات الحاضر؛ فالذاكرة الجماعية، كما حللها علماء الاجتماع، ليست مرآة وفية للماضي كما وقع بالفعل، بل هي بناء اجتماعي وانتقائي ديناميكي يتغير بتغير الرهانات السياسية والاجتماعية لكل عصر. وأضفت: “ما تتحدث عنه يا أولاف هو ما يسميه الفلاسفة والمؤرخون باختراع التقاليد، حيث تعمد الدول والمجتمعات الحديثة إلى ابتكار طقوس ورموز ممهورة بمسحة تاريخية وهمية لمنح كياناتها المعاصرة شرعية تاريخية واستمرارية وجودية. والرياضة والسينما هما اليوم الفضاءان الأبرز لإنتاج هذه الذاكرة الثقافية وحمايتها من التلاشي عبر خلق ما يُعرف بأماكن الذاكرة الطقسية. لكن الإشكالية الحقيقية التي تؤرقني، والتي تنبثق من هذا التحليل بالذات، هي ازدواجية المعايير الإبيستمولوجية التي تحكم الذاكرة الكونية؛ فلماذا يُسمح لأوروبا والشمال بأن يعيدا بناء ماضيهما العنيف، فينزعان منه الأشواك والدماء ويقدمانه للعالم كملحمة ملهمة من المغامرة والحرية الفردية، بينما يُطالب الشرق والحضارة الإسلامية بالوقوف الدائم في قفص الاتهام التاريخي؟ لماذا يتعين على إنسان بلادنا عندما يستحضر تاريخه السياسي الكبرى، كالدولة الأموية أو العباسية، أن يتعامل معها فقط من زاوية الذنب والاعتذار الأبدي، وكأن تاريخه كان شراً محضاً وخارجاً عن سياق التطور البشري؟”
صمت أولاف قليلاً، مفكراً في عمق المقارنة، ثم قال بصوت هادئ: “قد تكون محقاً في رصد هذا التباين، ولكن ألا تعتقد أن هناك فرقاً جوهرياً في طبيعة الإرثين؟ الفايكينغ ظلوا في نهاية المطاف ظاهرة محصورة جغرافياً وزمنياً، ولم يطرحوا أنفسهم كصياغة كونية نهائية للبشرية أو كنظام سياسي وديني يدعي الشمول والصلاحية لكل زمان ومكان. بينما الدول الإمبراطورية الإسلامية الكبرى تأسست على فكرة الفتح الشامل وحملت مشروعاً رسالياً يدمج الدين بالدولة، وهو ما يجعل نقدها اليوم من قِبل العقل الحديث نقداً لبنيتها الفكرية والسياسية التي لا تزال تثير هواجس حول التوسع والسيطرة. ألا ترى أن الصعوبة تكمن في أن تاريخكم لا يزال حياً ومؤثراً في قضايا الحاضر السياسية، في حين أن الفايكينغ قد ماتوا تاريخياً وسياسياً ولم يبق منهم سوى الرمز الجمالي الخالي من أي تهديد جيوسياسي معاصر؟”
أجبته مؤكداً أن وجهة نظره تلامس جانباً مهماً من المعضلة، لكنها تغفل كيف تُصنع التمثيلات والصور النمطية في مختبرات القوة المعرفية؛ إذ إن اختزال تاريخ حضاري ممتد وقارّي كالتاريخ الإسلامي في مجرد رغبة دائمة في التوسع العسكري هو بحد ذاته نتاج لخطاب كولونيالي واستشراقي طويل عمل على نمذجة الشرق وتصويره ككيان جامد، متعصب، وعاجز عن إنتاج المؤسسات والقانون. واسترسلت قائلاً: “دعنا نتأمل هذا الأمر بنظرة علمية متوازنة تتجاوز السجالات الأيديولوجية البسيطة. لو أخذنا شخصية مركزية ومؤسسة في تاريخنا السياسي مثل معاوية بن أبي سفيان والدولة الأموية التي شيدها في دمشق؛ إن القراءة الأخلاقية التبسيطية الحديثة، سواء كانت قراءة دينية داخلية متأثرة بالصراعات المذهبية القديمة، أو قراءة استشراقية خارجية، تختزل هذه المرحلة في العنف، والحرب الأهلية، وتأسيس ‘الملك العضوض’ على أنقاض الخلافة الراشدة الشورية. ولكن لو طبقنا منهج المؤرخين الكبار الذين يدرسون البنى على المدى الطويل، لوجدنا أن معاوية لم يكن مجرد رجل حرب يبحث عن سلطة شخصية، بل كان مهندساً سياسياً عبقرياً أدرك في سياق عصره الزمني أن القبيلة والتحالفات الشفهية الهشة لم تعد كافية لإدارة رقعة جغرافية شاسعة تمتد من أطراف بلاد فارس إلى شواطئ البحر المتوسط. لقد قام بعملية علمنة مبكرة ومأسسة لإدارة الدولة عبر دمج النخب والكوادر الإدارية والمالية السريانية والبيزنطية التي كانت تدير المنطقة قبل الإسلام، فأنشأ الدواوين المنظمة، وعرب الدواوين لاحقاً كخطوة لتوحيد اللغة البيروقراطية، ووضع نظام البريد السريع الذي ربط أطراف الإمبراطورية، وسك أول عملة إسلامية مستقلة كرمز للسيادة الاقتصادية. هذه الدولة الأموية لم تكن مجرد آلة حرب، بل كانت إطاراً قانونياً وإدارياً سمح باستقرار المجتمعات، وازدهار حواضر جديدة، واستمرار التجارة والزراعة وتطور العمران، وهو ما مهد الطريق للنهضة العلمية والثقافية الكبرى في العصر العباسي اللاحق.”
أومأ أولاف برأسه موافقاً على التحليل الإداري، لكنه اعترض قائلاً: “لكن يا صديقي، أليس من الحقيقي أيضاً أن هذا البناء المؤسسي العظيم الذي تتحدث عنه قام على دماء غزيرة، وعلى إلغاء للتجربة الشورية المبكرة، واستخدام واسع لآليات البطش السياسي لإخضاع المعارضين وتثبيت حكم وراثي؟ كيف يمكننا فصْل منجزات المأسسة وعمل الدواوين عن العنف البنيوي الذي رافق صعود الدولة الأموية واستمرارها؟ وهل يمكن لضحايا ذلك العنف، أو للوعي التاريخي المعاصر الذي يقدس الحريات الفردية وحق المشاركة السياسية، أن يغض الطرف عن هذا الجانب المظلم من أجل بضعة دواوين ونظام بريد متطور؟”
التفتّ إليه ونظرت في عينيه مباشرة، محاولاً صياغة ردي بأقصى درجات الدقة المنهجية: “إنك تطرح السؤال الصحيح تماماً، ولكن الإجابة عليه تقتضي منا ألا نسقط قيم الحاضر الديمقراطية الحديثة على مجتمعات القرن السابع الميلادي؛ فالتاريخ لا يعرف الملائكة، وكل الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ البشري، دون استثناء واحد، من الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية البريطانية، صعدت واستقرت عبر العنف وتوطيد السلطة بالقوة والبطش السياسي. المشكلة ليست في الاعتراف بهذا العنف؛ فأنا كسوري ومثقف لا أجد حرجاً في القول إن الدولة الأموية استخدمت عنفاً مفرطاً في لحظات تثبيت أركانها، وإن الصراع على السلطة كان دموياً ومريراً.
لكن المعضلة الإبيستمولوجية هي: لماذا يُقرأ عنف الدول الإمبراطورية الغربية أو الإسكندنافية كضرورة تاريخية رافقت صعود القانون والمؤسسات ونشأة الدول الحديثة، بينما يُقرأ العنف في التاريخ الإسلامي كدليل على همجية ذاتية متأصلة وجوهر ديني متعصب؟ لماذا نرى في الفايكينغ رغبة طبيعية في البقاء والمغامرة رغم فظاعة أفعالهم، بينما نرى في الفتوحات الإسلامية وبناء الدولة الأموية مجرد رغبة سادية في الغزو والسيطرة؟ إن هذا التمييز في الأحكام ليس علماً بل هو تعبير عن سلطة التمثيل المعرفي؛ فالقوي اليوم هو الذي يملك سلطة نزع الأسلحة الأخلاقية من ماضيه وتركيزها في ماضي الآخر لإبقائه في حالة اعتذار دائم وتجريده من شرعيته الحضارية.”
تحرك أولاف في مقعده، وبدا عليه أنه يتلقى الفكرة بجدية بالغة تتجاوز الدفاع القومي العفوي، فقال: “أعترف أن هذه المقاربة تسلط الضوء على منطقة مظلمة في وعينا الغربي؛ فنحن بالفعل نميل أحياناً دون وعي إلى رومانسية ماضينا مهما كان دموياً، بينما نتعامل مع تاريخ الآخرين بصرامة أخلاقية بالغة ونحاكمه بمعايير القرن الحادي والعشرين. ولكن دعنا نتعمق أكثر؛ كيف ترى أثر هذا الاختلاف في البناء المؤسسي على المدى الطويل؟ لقد تحدثت عن المأسسة والقانون في الدولة الأموية والعباسية، فكيف تُرجم ذلك واقعياً في حياة الناس؟”
أخذت نفساً عميقاً وشرعت في تفكيك البنية الاجتماعية والقانونية لتلك الحقبة، مستلهماً قراءات كبار مؤرخي الاجتماع والقانون الحضاري: “إذا نظرنا إلى المجتمعات الإسلامية في زمنها الطويل، نجد أنها طورت أنظمة مؤسسية وقانونية بالغة التعقيد والعمق تفوق بكثير ما كان سائداً في محيطها المعاصر. في العصر العباسي، على سبيل المثال، تبلور نظام قضائي مستقل بنيوياً عن سلطة الخليفة أو السلطان؛ فالقانون لم يكن يكتبه الحاكم بمرسوم استبدادي، بل كان يصاغ من خلال الشريعة والفقه اللذين تبنيهما طبقة العلماء والقضاة بشكل مستقل ومستمر. هذا النظام شكل في جوهره ما يسميه الباحثون القانونيون المعاصرون ‘سلطة القانون’ أو الدستور غير المكتوب الذي يلتزم به الجميع ويحمي الحقوق الاقتصادية والمدنية للرعية، بما في ذلك الأقليات الدينية واليهود والنصارى الذين عاشوا في ظل نظام الذمة والمؤسسات الأهلية التي ضمنت لهم حكماً ذاتياً قانونياً وإدارياً لم تكن أوروبا في ذلك الوقت تحلم بمثله. يضاف إلى ذلك المؤسسات التعليمية الكبرى العابرة للأقاليم، كالمدرسة النظامية والمستشفيات العامة والأوقاف الخيرية التي كانت تمول النشاط العلمي والصحي والاجتماعي بشكل مستقل عن خزينة الدولة المركزية. وفي الجانب الاقتصادي والعمراني، كانت حواضر الإسلام تمثل شرايين الاقتصاد العالمي ومراكز حيوية للتبادل التجاري والإنتاج المعماري والهندسي المتقدم، حيث كانت الأسواق تنظم بنظام ‘الحسبة’ الصارم والمحكم لضمان العدالة الاقتصادية وحماية المستهلك من الغش والاحتكار. كل هذه المنجزات المؤسسية والقانونية والاجتماعية تؤكد أننا نتحدث عن حضارة دولة وبناء قانوني عميق، وليست مجرد اندفاعة بدوية عنيفة كما يحلو للبعض تصويرها لتبسيط التاريخ وتسطيحه.”
عقب أولاف قائلاً وهو يرسم علامة تعجب بيده: “إذا كان هذا التاريخ غنياً بالمؤسسات والقانون والتعددية كما تذكر، فلماذا تراجع في الوعي العالمي وتنازل عن موقعه الريادي لصالح السردية الغربية التي تظهره كاستبداد مطلق؟ أين حدث الشرخ الذي جعل طبول تاريخكم تتوقف عن القرع كرمز إيجابي ومحترم في المحافل الدولية، بينما تستمر طبولنا نحن غزاة البحار في جذب قلوب وعقول العالم؟”
أجبته بحزن فكري عميق يعكس مأساة غياب السيادة المعرفية: “الشرخ يا أولاف لم يحدث في الماضي، بل حدث في الحاضر؛ فالقوة المادية والمعرفية التي تملكها الحضارة الغربية الحديثة مكنتها من احتكار أدوات التمثيل والصناعة الثقافية العالمية. عندما تملك وسائل الإعلام، والسينما، والمطابع، والجامعات الكبرى، ومراكز الأبحاث، والمنظمات الدولية، فإنك تملك بالضرورة سلطة كتابة التاريخ وصناعة الذاكرة الكونية. لقد تم تحويل الفايكينغ إلى علامة تجارية عالمية جذابة ومربحة ترمز للمغامرة والحرية الفردية؛ لأن هناك صناعة سينمائية وتلفزيونية ضخمة في هوليوود وأوروبا تغذي هذه الصورة يومياً وتعيد إنتاجها بإخراج مبهر وبألوان طبيعية تخلب لب المشاهد المعاصر وتجعله يتعاطف معهم ويتغاضى عن بشاعة ماضيهم. في المقابل، فإن الشرق عندما يظهر في هذه الصناعات العالمية لا يظهر إلا من خلال عدسة النمطية والاستشراق؛ يظهر كفضاء للتخلف، والعنف بلا هدف، والاستبداد الشرقي، والنساء المضطهدات. إن غياب القوة المادية والثقافية المعاصرة لبلادنا هو الذي جعلنا نعجز عن تقديم سرديتنا الخاصة للعالم بطريقة إنسانية وجذابة، بل جعل قطاعات واسعة من شبابنا تسقط في فخ الاستلاب الفكري، فتقرأ تاريخها وتاريخ أمتها بعيون غربية وبأدوات معرفية صيغت أساساً لإدانتها وتجريدها من الثقة بنفسها.”
أومأ أولاف برأسه تفهماً، وقال بنبرة تفيض بالتعاطف الفكري: “يبدو لي من كلامك أننا نتحدث عن صراع مستمر بين التاريخ كعلم يبحث عن الحقائق المعقدة والمؤسسات والتحولات البنيوية، وبين الذاكرة كأداة سياسية وهوياتية تستخدمها القوى المهيمنة لترسيخ نفوذها المعنوي والأخلاقي. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهل هناك مخرج من هذه الحلقة المفرغة؟ هل يمكننا يوماً أن نصل إلى تاريخ عالمي موضوعي يحترم تعقيد كل تجربة حضارية دون إسقاطات أخلاقية أو استعلاء معرفي؟”
نهضنا من مجلسنا واتجهنا نحو الباب للخروج إلى ليل أوسلو الذي لا يظلم، حيث كانت أصوات الجماهير النرويجية الفرحة قد بدأت تتلاشى في الأفق، تاركة خلفها بقايا أكواب وصدى دقات الطبول التي سكنت أخيراً في جوف الليل البارد. سرنا جنباً إلى جنب على طول الرصيف البحري المحاذي للمضيق، وكنت أفكر في كلامه قبل أن أجيبه بصوت يتهادى مع حفيف الأمواج الهادئة: “إن البحث عن موضوعية مطلقة وخالصة في كتابة التاريخ هو نوع من اليوتوبيا المعرفية التي قد لا نصل إليها أبداً؛ لأن الإنسان كائن هوياتي وتأويلي بطبعه، ولا يمكنه الانفصال التام عن سياقه الثقافي وموقعه من علاقات القوة. لكن مقاومة الهيمنة المعرفية والانتصار للحقيقة التاريخية يظلان واجباً أخلاقياً وفلسفياً على عاتق كل مثقف منصف في هذا العالم، سواء كان في الشرق أو في الغرب. إن العدالة التاريخية لا تعني تبرئة أي ماضٍ من أخطائه ودمويته، بل تعني تطبيق المعيار المعرفي والأخلاقي نفسه على الجميع؛ فإما أن نحاكم كل حضارات الماضي بعيون الحاضر الصارمة وندين عنف الفايكينغ وعنف الأمويين وعنف الرومان على حد سواء، وإما أن نحاول فهم كل تجربة في سياقها الزمني والبنيوي الصعب ونرى كيف ساهمت، رغم آلامها وصراعاتها، في دفع عجلة البناء الإنساني والقانوني والمؤسسي.”
توقف أولاف عند نهاية الرصيف، وتطلع إلى البحر الممتد أمامه كأنه يبحث في عمقه عن إجابة غائبة، ثم التفت إليّ وطرح سؤاله الأخير الذي بدا كأنه يلخص كل ما دار بيننا من حديث شائك وممتع: “لو تخلصنا من كل أدوات القوة، وأطفأنا شاشات السينما والتمثيل الثقافي الحديث، ووقفنا جميعاً عراة أمام مرآة الزمن الخالصة؛ هل تكمن المشكلة الحقيقية والأزلية في وقائع الماضي نفسه وصراعاته الإنسانية الدامية والمعقدة التي لا مفر منها لبناء الأمم والدول، أم في سلطة الحاضر القاهرة التي تملك وحدها حق صياغة الذاكرة وتحديد كيف ينبغي للبشرية أن تتذكر هذا الماضي، فتقرر بحرية مطلقة من يحق له أن يقرع الطبول فخراً وزهواً بأسلافه ومن يلتزم الصمت والاعتذار الأبدي؟” سار السؤال مع نسيم البحر البارد، وظل يتردد بيننا دون جواب نهائي، تاركاً إيانا نتأمل صمت المياه وعمق التاريخ الذي يبتلع الجميع في نهايته.

