بقلم: حسن المرابط
يشهد المغرب تصاعدًا ملموسًا في وتيرة الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة، حيث تتراوح الخسائر السنوية بين 575 و800 مليون دولار، أي ما يقارب 0.6% إلى 0.8% من الناتج الداخلي الخام، مع تعرض أكثر من 64% من السكان لكارثة طبيعية واحدة على الأقل خلال السنوات الثلاث الماضية.
هذا الواقع دفع الدولة المغربية إلى تعزيز استراتيجياتها لمواجهة الفيضانات، الحرائق، الزلازل، والجفاف، مع التركيز على بناء نموذج الدولة المرنة القادر على تحويل المخاطر إلى أدوات حماية وتنمية.
أبعاد الكوارث الطبيعية في المغرب
الفيضانات
• أكثر الكوارث تكرارًا وتأثيرًا اقتصاديًا.
• المناطق الساحلية والأحواض المائية الكبرى هي الأكثر عرضة.
• كلفة الفيضانات السنوية تقدر بـ 400 مليون دولار.
الزلازل
• تتركز في شمال الأطلس والريف.
• الكلفة السنوية تتراوح بين 120–150 مليون دولار.
الجفاف وحرائق الغابات
• الجفاف يضرب الوسط والجنوب بتأثيرات مباشرة على الإنتاج الزراعي.
• حرائق الغابات في الشمال والوسط تكلف الدولة بين 50–70 مليون دولار سنويًا.
الثلوج والانهيارات الأرضية
• تتركز في الأطلس المتوسط والكبير.
• تسبب خسائر بين 30–40 مليون دولار سنويًا.
مؤشرات مناخية مهمة: تراجع الموارد المائية بنسبة 20–30% وارتفاع درجة الحرارة بـ 1.5°C منذ القرن الماضي، ما يزيد من هشاشة المناطق الجبلية والريفية.
استراتيجية المغرب في إدارة الكوارث
المغرب انتقل عبر ثلاث مراحل رئيسية:
1. التدخل الارتجالي (قبل 2000): تدخل الجيش والوقاية المدنية فقط، مع ضعف التخطيط الاستباقي.
2. البناء المؤسساتي (2000–2010): صدور تشريعات جديدة وتعزيز التنسيق بين الوزارات والمؤسسات.
3. الدولة المرنة (2010–2025): وضع استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر، إنشاء صندوق التضامن ضد الكوارث، تطوير أنظمة الإنذار المبكر، والتعاون مع الشركاء الدوليين.
القدرات التشغيلية
• زمن التدخل الأولي: 30–60 دقيقة.
• عدد عناصر الطوارئ لكل 100 ألف نسمة: 120–150.
• مشاركة القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، الجماعات الترابية، والقطاع العلمي في عمليات التخطيط والتنفيذ.
مقارنة دول شمال البحر الأبيض المتوسط ودول MENA
يمكن قراءة أداء المغرب في إدارة الكوارث مقارنة بمجموعة من دول شمال المتوسط مثل إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، اليونان، ومجموعة دول MENA مثل تونس، الجزائر، مصر، الإمارات، والسعودية، من خلال عناصر مثل الخسائر السنوية، الاستثمارات الوقائية، ونسبة المباني المقاومة للكوارث:
• المغرب: رغم محدودية الموارد، يمتلك قدرة نسبية عالية على التدخل السريع، ولديه استراتيجية مرنة.
• تونس والجزائر: أكثر عرضة للفيضانات والجفاف، مع ضعف في الإنذار المبكر والتأمين ضد الكوارث.
• مصر والسعودية والإمارات: تركز على البنية التحتية الكبرى (سدود، مشاريع ضخمة)، لكنها أقل مرونة في التدخل على المستوى المحلي، خصوصًا في المناطق الريفية.
• إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان: تمتلك خططاً حضرية صارمة، تغطية تأمينية واسعة، وميزانيات وقائية أكبر، لكن الفيضانات والزلازل ما تزال تشكل تحديًا في بعض المناطق.
المغرب يحقق توازنًا بين الموارد المتاحة والكفاءة التشغيلية، ويعتبر نموذجًا إقليميًا في مرونة إدارة الكوارث ضمن دول MENA، في حين تبقى الدول الأوروبية أكثر قدرة مالية وتنظيمية، والدول الخليجية أكثر قدرة على الاستثمار في البنية التحتية الكبرى، لكن أقل مرونة على المستوى المحلي.
البعد الجيوسياسي للكوارث
• حماية المشاريع الاستراتيجية: الموانئ، السدود، الطرق الكبرى، والمجال الصحراوي.
• تعزيز الدبلوماسية المناخية: المغرب يصدّر خبراته لإفريقيا ويعزز صورته الدولية.
• التنافس الإقليمي: المغرب يبرز نموذج الدولة المرنة مقابل نماذج الدول المجاورة الأقل قدرة على الوقاية والتخطيط.
التحديات المستقبلية
السيناريوهات حتى 2040
1. الدولة المرنة: رقمنة الطوارئ، تعميم الإنذار المبكر، إصلاح التخطيط العمراني → تقليل الخسائر وتعزيز المرونة.
2. الدولة تحت الضغط: تسارع التغير المناخي والهشاشة → زيادة الخسائر والأزمات الاجتماعية.
3. الدولة القائدة إقليميًا: تصدير الخبرات وتوسيع النفوذ السياسي في القارة الإفريقية.
توصيات استراتيجية
• للدولة: مضاعفة الإنفاق الوقائي، إصلاح التخطيط العمراني، وتعميم التأمين ضد الكوارث.
• للمؤسسات: إنشاء وكالة وطنية مستقلة، رقمنة منظومة الطوارئ، وتعزيز البحث العلمي.
• للمجتمع المدني: نشر ثقافة الوقاية والمشاركة الفاعلة في خطط الاستجابة.
المغرب يتجه نحو نموذج الدولة المرنة القادر على مواجهة الطبيعة بكفاءة واستراتيجية، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص للتنمية والسيادة.

