بلمزيان يكتب.. ( حديث رمضان 16) التناقض بين مفهوم الخلود في العذاب بين النص القرآني والحديث

أبوعلي بلمزيان

إذا كان النص القرآني قد حسم مسألة مكوث أهل النار بقوله الصريح “خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا” (النساء: 169)، فإن الحديث القائل: “يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان…” (رواه البخاري) يطرح إشكالا جوهريا حول مفهوم الخلود وعلاقته بالعقاب الإلهي، إذ يظهر أن بعض العصاة، رغم استحقاقهم للعذاب، لن يبقوا فيه إلى الأبد، مما يثير أسئلة حول مدى قطعية النصوص ومدى خضوعها لتأويلات تاريخية خدمت أهدافًا سياسية واجتماعية معينة.

هذا التناقض ليس مجرد اختلاف لغوي، بل هو انعكاس لصراع أيديولوجي داخل البنية الفكرية الإسلامية. فالقرآن، في استخدامه لعبارات مثل “أبدًا”، يرسّخ مفهوما مطلقا للجزاء، مما يتسق مع بنية خطابية تعطي للعدالة الإلهية طابعا صارما لا يقبل الاستثناءات، بينما نجد أن الحديث يفتح باب التخفيف والتدرج، وهو ما قد يكون استجابة لحاجة اجتماعية وسياسية نشأت بعد تشكّل الدولة الإسلامية واتساعها، حيث لم يكن ممكنا إقصاء شرائح اجتماعية واسعة تحت مفهوم العقاب الأبدي، فتم ابتداع أحاديث تمنح مخرجا لمن وقعوا في المخالفة، شريطة أن يكون لديهم الحد الأدنى من الولاء العقائدي.

النصوص القرآنية الأخرى تعزز هذا الاتجاه القطعي، كما في قوله: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا” (النساء: 168-169)، مما لا يدع مجالا للتأويل أو التخفيف. أما الحديث فيبدو وكأنه يقدم إعادة صياغة للعقيدة العقابية، عبر تقسيم الناس إلى فئات يمكن أن يُرفع عن بعضها العذاب مع الزمن، وهو ما يتماشى مع مصالح القوى الحاكمة التي كانت بحاجة إلى تأمين شرعية دينية تتيح لها التلاعب بمفاهيم الغفران والعقاب بما يخدم استقرارها.

لم يكن هذا الحديث ليبرز إلا في سياق تشكل الطبقات داخل المجتمع الإسلامي، حيث احتاجت السلطة إلى خطاب ديني يضمن ولاء العصاة من أبناء النخبة دون أن يهدد شرعية العقيدة الرسمية. فبدلا من أن يكون الدين موقفا حاسما تجاه الظلم والانحراف، أصبح هناك هامش للمناورة، حيث تم إدخال مفهوم “التوبة الممكنة” حتى بعد وقوع العقاب. وهذا التحوّل لم يكن اعتباطيا، بل كان أداة لترويض الجماهير وإبقائها في حالة تردد بين الخوف والرجاء، مما يجعلها أكثر طواعية للسلطة.

التناقض بين النصين، إذن، ليس مجرد اختلاف في الصياغة، بل هو تعبير عن انتقال الدين من مرحلة الثورة الأخلاقية إلى مرحلة الاستقرار السلطوي، حيث لم يعد من المقبول إبقاء مفهوم العقاب على إطلاقه، بل كان لا بد من فتح نوافذ للعودة، بما يسمح بإعادة إنتاج الولاء للنظام القائم. ومن هنا، فإن إعادة قراءة هذه النصوص لا ينبغي أن تتم بمعزل عن الظروف التاريخية التي أنتجتها، حيث يمكننا أن نرى بوضوح كيف أن التحولات السياسية والاجتماعية كانت عاملًا حاسمًا في بلورة العقيدة كما نعرفها اليوم.

إن هذا التوظيف السياسي للدين لم يتوقف عند هذا الحد، بل استمر عبر التاريخ كوسيلة لضبط تفاعلات المجتمع، بحيث لا يتحول الخوف من العقاب إلى موقف تمردي، بل يظل محكومًا بأمل في الخلاص يمنع أي قطيعة جذرية مع النظام القائم. وهذا ما يجعل قراءة النصوص بمنهجية تاريخية ضرورة ملحة، حتى لا نبقى أسرى مفاهيم صيغت لخدمة قوى لم يعد لها اليوم أي شرعية سوى ما تمنحه لها أوهام القداسة المفتعلة.

– الحسيمة في 17 مارس 2025.

– أبوعلي بلمزيان.