ناجي العماري
في كل المجتمعات، تلعب الجامعة دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجماعي. لكنها في المغرب تبدو محاصرة بين رؤيتين متناقضتين:
• رؤية ترى في الجامعة مجرد مؤسسة لتخريج موظفين وسوق عمل، حيث تصبح مجرد أداة لتلبية حاجيات الاقتصاد دون أن تكون فضاءً للفكر الحر والنقدي.
• رؤية ترى في الجامعة فضاءً للتحرر وبناء الوعي، وهو الدور الذي كانت تلعبه في فترات تاريخية سابقة، لكنه تراجع بشكل كبير.
أزمة البحث العلمي وإنتاج المعرفة
يقول محمد عابد الجابري: “لا يمكن أن تنهض الأمة دون نهضة فكرية، ولا يمكن للفكر أن يتطور دون مؤسسة جامعية قوية.” لكن في المغرب، تبدو الجامعة اليوم غارقة في أزمات متعددة:
• ضعف ميزانيات البحث العلمي، مما يجعل المغرب مستوردًا للمعرفة بدل أن يكون منتجًا لها.
• نقص في الحرية الأكاديمية، حيث تظل بعض المواضيع محاطة بالحذر السياسي.
• ربط الجامعة بسوق العمل فقط، مما أدى إلى تراجع العلوم الاجتماعية والإنسانية.
لكن هل يمكن لجامعة لا تنتج فكرًا نقديًا أن تساهم في بناء مجتمع ديمقراطي؟
من أجل جامعة تحررية لا امتثالية
إذا كان للجامعة أن تلعب دورها الحقيقي، فإن ذلك يستلزم إعادة النظر في علاقتها بالمجتمع والسلطة:
• هل يمكن تحرير الجامعة من سيطرة الدولة والسوق، بحيث تعود إلى دورها الفكري الأصيل؟
• كيف يمكن تطوير البحث العلمي ليكون أكثر ارتباطًا بالواقع المغربي بدل أن يكون مجرد امتداد للأجندات الخارجية؟
• وهل يمكن للجامعة أن تصبح فضاءً حقيقيًا للنقاش السياسي والفكري بدل أن تكون مجرد مصنع لشهادات أكاديمية؟
يقول غرامشي: “المعرفة ليست محايدة، بل هي أداة للصراع”، فهل يمكن للجامعة المغربية أن تستعيد دورها كمنبر للنقد والتغيير؟ أم أنها ستظل مؤسسة بيروقراطية عاجزة عن التأثير في الواقع؟
نحو مشروع مجتمعي جديد
إذا كانت الهوية، واللغة، والتعليم هي ركائز أي مجتمع، فإن المغرب بحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الإصلاحات الشكلية نحو مشروع مجتمعي يضمن التعددية الثقافية، والعدالة اللغوية، واستقلالية الجامعة كفضاء للحرية والمعرفة.
السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل نحن مستعدون لخلق مجتمع يتجاوز الانقسامات القديمة نحو نموذج أكثر عدالة وانفتاحًا؟ أم أن الحلول ستظل مجرد إصلاحات شكلية لا تمس جوهر الأزمة؟

