في هذا الصباح البارد من نوفمبر، انطفأ جسد سيون أسيدون، لكن النار التي أشعلها في وجدان اليسار المغربي والعالمي لا تزال مشتعلة، لا تخبو ولا تستكين. رحل الرفيق، آخر رموز الجيل الذي صاغ الوعي النضالي بدمه، وواجه الدولة العميقة بعقله، وكتب بوجوده معنى أن تكون يسارياً بلا مساومة، بلا انحناء، بلا توبة سياسية. لم يكن سيون مجرد مناضل يهودي مغربي اختار الانحياز إلى قضية الطبقات المسحوقة، بل كان أحد أولئك الذين صاغوا في المغرب معنى أن تكون يسارياً جذريا، أمميا، وأخلاقيا في الآن ذاته، لا تقايض الحق بالموقع، ولا المبدأ بالمنصب، ولا القضية بالنجاة الفردية.
ولد سيمون أسيدون سنة 1948 في قلب المغرب، لأصول يهوديةٍ راسخة في عمق تربة هذا الوطن، لكنه ما كان يوما أسير هوية ضيقة أو انتماءٍ عرقي أو ديني. لقد آمن مبكرا بأن اليسار هو خلاص الإنسان من كل أشكال الانغلاق، وبأن الثورة الأخلاقية شرط الثورة السياسية. كان يرى أن تحرير الوطن لا ينفصل عن تحرير الإنسان، وأن معركة الحرية لا تجزأ. لم يكن يبحث عن مجد شخصي أو موقع داخل الأجهزة، بل عن وطن يعاد بناؤه من القاعدة، من عرق العمال والطلبة والفلاحين، لا من فوق.
في بداية السبعينيات، حيث كان المغرب يغلي تحت مطرقة القمع وسندان التسلط، اختار سيمون أن يكون حيث الخطر، في صفوف اليسار الراديكالي، منتميا إلى تلك الطليعة التي آمنت بأن التغيير لا يستجدى من الملوك، بل ينتزع من الشوارع ومن المعتقلات ومن وجع الجماهير. لم يكن الاعتقال بالنسبة له نهاية مسار، بل بدايته. بين 1972 و1984 قضى سنوات من عمره خلف القضبان، هناك حيث تصفى الأحلام الضعيفة وتبقى فقط العقيدة الصلبة. خرج من السجن أكثر صفاء وإصرارا، كأنما الحديد صهر ليصير نصل فكرة.
لم يساوم، لم يهادن، لم يقبل بأن يكون “شاهدا محايدا” في زمن الانبطاح الكبير. بعد خروجه، انخرط في معارك ضد الفساد والاستبداد والريع، وكان من أبرز الوجوه التي أسست “ترانسبارنسي المغرب”، ليس كجمعية تقنية ترفع شعارات المساءلة، بل كواجهة جديدة للنضال الأخلاقي ضد بنية النهب المُمأسس. وفي كل تلك المعارك ظل مخلصا لمبدإٍ جوهري: أن النقاء السياسي ليس ترفا، بل هو شرط أي يسار حقيقي.
لكن ساحة نضاله لم تكن محصورة في المغرب وحده. فقد حمل سيمون أسيدون القضية الفلسطينية في قلبه كما يحمل المناضل روحه في كفه، فواجه بأصالة وشجاعة كل أشكال التطبيع، واعتبرها خيانة للذاكرة وللشعوب. في زمنٍ سقطت فيه الأقنعة، وهرولت الأنظمة إلى حضن الصهيونية، ظل صوته مدويا في العراء: “لا تحرر لشعبٍ يقبل الظلم في فلسطين”. كان الرفيق أسيدون يعلم أن الأممية ليست شعارا يردد في المهرجانات، بل موقف عملي، وأن الدفاع عن فلسطين هو استمرار طبيعي لمعركة الحرية والكرامة في المغرب وفي كل مكان.
كان صلبا في الموقف، لكنه إنسان في الرؤية. لم يكن يرى في اليسار شتيمة أو طوباوية، بل ضرورة وجودية ضد الردة السياسية وضد الانهيار الأخلاقي الذي أصاب بعض من كانوا يوما رفاقه. كان يعرف أن معركة اليسار اليوم لم تعد فقط ضد النظام، بل أيضا ضد التحريف والانبطاح والتدجين، وضد أولئك الذين حولوا النضال إلى وظيفة والمبدأ إلى وسيلة. في زمن الخيبات، ظل هو الشاهد على أن اليسار يمكن أن يظل نقيا مهما تكاثرت الطحالب على سطح السياسة.
برحيله اليوم، لا نفقد رجلا فقط، بل نفقد ذاكرة نضال شريف في بلد يتناقص فيه الشرفاء. نفقد صوتا كان يعيد للسياسة معناها النبيل، ويمنح الأخلاق مضمونها العملي. ومع ذلك، فإن الرفاق الحقيقيين لا يموتون؛ إنهم يتحولون إلى فكرة تورث، إلى نبض يسكننا حين نكتب، حين نحتج، حين نرفض. سيمون أسيدون لم يرحل من التاريخ، بل دخل تاريخه الخاص، التاريخ الذي لا يكتبه المنتصرون، بل المنهزمون بشرف.
سيمون كان يعلم أن النضال ليس بطولة فردية، بل تراكم جماعي، وأن كل صرخة صادقة هي لبنة في صرح لن يكتمل إلا حين تسقط كل أشكال الاستغلال والتمييز. كان آخر من تبقى من جيل صنعته الهزائم لكنه لم يهزم، من أولئك الذين عاشوا للمبدأ وماتوا على صراطه.
في هذا الصباح، ونحن نودعه، لا يليق بنا البكاء، بل أن نرفع الراية التي تركها على الأرض. أن نعيد إلى اليسار روحه الجذرية، إلى الخطاب السياسي صدقه، إلى المواقف شجاعتها. أن نقول كما كان يقول هو: “إن اليسار ليس شعارا يعلق في المقرات، بل طريقة حياة، أخلاق مقاومة، ووعي بالمصير الجماعي”.
سلام على سيون أسيدون، على المناضل الذي لم يساوم، ولم يركع، ولم يبرر. سلام على من جعل من السجن مدرسة، ومن الوجع وعدا، ومن الهوية جسرا نحو الآخر لا سيفا ضده. لقد رحل الرفيق واقفا، كما يليق بالأشجار التي لا تعرف الانحناء.
وسيبقى صوته فينا:
“ما دام في هذا البلد من يرفض، فإن الثورة لا تموت”.
– الحسيمة في 7 نونبر 2025.
– أبوعلي بلمزيان

