صورة لوجهين.. جيلين من الحركة الأمازيغية المغربية

محمد الزياني

هذه الصورة تعكس وجهين من الوجوه البارزة للحركة الأمازيغية المغربية ممن يتقاسمان أنبل قيم الصدق النضالي والوفاء والثبات على المبدإ.. كما تحيل من جهة أساسية على جيلين من أجيال هذه الحركة :

1. جيل الشباب في شخص المناضل محي الدين العيادي الذي انغرست جدوة النضال الأمازيغي في وجدانه في سن مبكرة وهو خريج مدرسة الحركة الأمازيغية التي تبلورت طروحاتها ضمن أهم التنظيمات والجمعيات التي واكب هذا الفتى أنشطها سواء عبر المجلس الوطني للتنسيق أوكنفدرالية الجمعيات الأمازيغية بشمال المغرب متطلعا ومساهما في إنضاج مختلف التجارب والمشاريع التي طرحت كأفق تنظيمي لهذه الحركة ، ، ومنها مشروع ” البديل الأمازيغي ” : الأرضية التي اقام عليها الفقيد الدغرني ورفاقه “الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي” سمة 2005 الذي سرعان ما ووجه بقرار المنع والحرمان سنة 2010 ، ومع ذلك ظل محي الدين العيادي في صلب هذا المخاض الطويل مبديا تفتحه التام على كل ما يهم حاضر ومستقبل الأمازيغية وتوحيد نشطائها ضمن قوة ذات فعالية وتأثير على مراكز القرار ..لذلك عمل بنفس الدينامية في إطار كنفدرالية الجمعيات الثقافية الأمازظيغية بشمال المغرب CACANM حريصا على حضور ملتقياتها ودوراتها بانتظام متجشما عناء التنقل فيما بين طنجة والحسيمة والناظور و النواحي حاملا المشغل الذي تسلمه ممن سبقه من رفاق جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة أمثال ” علال الموساوي والراحل الخمليشي بوبكر والطاهري وبلخدة” وغيرهم كثير الذين رأوا في هذا الشاب المفعم بالحيوية خير خلف لقيادة سفينة ماسينيسا نحو المستقبل ، وكذلك كان ، بحيث جعلته تربيته الجمعوية ومصداقيته النضالية والأخلاقية موضع ثقة من لدن الجميع ويسرت له سبل تنسيق أنشطة ماسينيسا مع مختلف الجمعيات الأمأزيغية بربوع الوطن : بالريف والوسط والجنوب عبر برامج ثقافية وفنية أغننت سجل ماسينيسا ولا تزال …من دون أن يخطئ موعده مع أهم المحطات الإشعاعية أو التنظيمية التي تهم الشأن الأمازيغي بالداخل والخارج غير مبال بتباعد المسافات امام قيمة الواجب …استثمر علاقاته الشخصية بأبرز النشطاء والفعاليات الثقافية والفنية والأكاديمية لدعم برامج جمعية ماسينيسا عبر ملتقيات وندوات همت مختلف المحاورالتي فرضتها الظرفية السياسية والاجتماعية بمغرب اليوم ..حتى غدت ماسنيسا إلى اليوم نبراصا تنير دروب النضال الأمازيغي ،وقبلة يهتدي إليها كل مسكون بهموم البحث والنهوض بالشأن الأمازيغي بأبعاده الهوياتية ولثقافية واللغوية والحضارية العامة ، وبفضل جهد ومثابرة محي الدين ورفاقه ظل هذا الصرح الجمعوي الأمازيغي بشمال المغرب مستمرا وصامدا إلى اليوم وسط كل الألغام والتحديات التي تحيط به من كل حدب وصب والتي عصفت قبل ذلك بجيل كامل من الجمعيات والتنظيمات التي عاصرتها ماسينيسا .

2. جيل المؤسسين والرواد في شخص الأستاذ المناضل: حسن إذ بلقاسم القادم من أعماق اليسار الجديد والذي دفعته ظروف الاعتقال المتكررة : سبعينيات وثمانيات القرن الماضي إلى فهم ذاته وصياغة أسئلة جوهرية حول انتماءه الوجودي وتميزه الهوياتي ، متيقنا ، بشكل مبكر، بان أليات الصراع الطبقي بالمغرب ستظل معطلة ما لم تول الأهمية اللازمة للجانب الهوياتي في تحليل تعقيدات واقعنا الاجتماعي ومعه واقع باقي دول شمال إقريقيا (ثمازغا) بتركيبتها البشرية وتشكيلاتها الاجتماعية. فالماركسية ، حسبه ، مهما تعددت مدارسها وتوجهاتها : لينينية كانت أوماوية أو تروتسكية …سوف لن تجد لنفسها موطئ قدم في تعبئة جماهير هذه الدول ، ما لم تتخلص كوادرها ونخبها عندنا ـ الذين ينعتهم إيذ بلقاسم ب ” الشُّرْفًا الماركسيين” ـ من شرك التأويل العروبي المشرقي لهذه الماركسية ، وسيظلون بذلك عاجزين عن تبيئة هذه المنظومة الفكرية والإيديلوجية القيمة ضمن العمق الهوياتي لهذه البلدان وسوف لن تتمكن مشاريعهم وتطلعاتهم من اكتساب مشروعيتها الثورية الحقة .

فهو شخص عرف بدينامية عصية عن الخفوت ، سواء من خلال نضاله من داخل الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية / تماينوت التي أنشئت سنة 1978 ، أو من خلال انشغاله الفني والثقافي كشاعر أنتج ديوانين: (تسليت ونزار) و(إيماراين) أو كمحامي ناجح في التأصيل للنضال الأمازيغي ضمن المرجعية الحقوقية الدولية مانحة إياه ( النضال الأمازيغي) المكانة اللائقة به بفضل جهود فعاليات وطنية ودولية وفي مقدمتهم إيذ بالقاسم الذي أرسى طروحاته التي انشغل بها سنوات 1978/1979 وقبلها ، على منطلقات قانونية وفلسفية وتاريخية / واقعية قبل أن يجمعها في كتاب ” حول الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية ” االصادرسنة 1992 بعد عام فقط من ميثاق أكادير 5 غشت 1991 الذي صيغ على هامش الدورة الرابعة للجامعة الصيفية باكادير (من 29 يوليوز إلى غاية 05 غشت 1991) والتي كان لأيذ بلقاسم قسطه الوافر في إنجاح أشغالها من موقع اللجنة التنظيمية ورئاسته للجلسة الشعرية ثم تقديمه لعرضه القيم حول ” الهوية وحقوق الإنسان ” تمكّيت ذإزرفان أفكّانّ”..الذي قدم كله بالأمازيغية … حمل صليبه و راح يجول به عبر العالم بدءا بالمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بفيينا يونيو 1993 حيث تقدمت الجمعيات الأمازيغية المغربية وأخرى جزائرية بمذكرة مطلبية للاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية للأمازيغ : السكان الأصليون لشمال إقريقيا (ثمازغا) جعل إذ بلقاسم ورفاقه يلحون على إدراجها ضمن نقاشات باقي القضايا المرتبطة بالشعوب الأصلية ، والتي سيتمخض عنها بعد ذلك ، إنشاء المنتدى الدائم لقضايا الشعوب الأصلية بالأمم المتحدة سنة 2000 ، هذا المحفل الدولي الذي ظل إيذ بلقاسم ملتزما بالنضال في أروقته مما بوأه مكانة خاصة كرائد للدبلوماسية الأمازيغية على الصعيد الدولي..مساهما في بلورة قرار الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية عام 2006 وغيرها ، والجدير بالذكر أن حضور الأمازيغية في مؤتمر فيينا السالف الذكر شكل ، بحق ، خطوة استراتيجية لتدويل مطالبها وتعزيز مكانتها في المحافل والمنتديات الدولية المعنية بحقوق الإنسان … فبعد هذا المؤتمر مباشرة ، أي في سنة 1994 ، كانت الدورة السابعة عشر للمهرجان الدولي للسينما بدوارنوني ( الDOUARNENEZ) التي خصصت للثقافة الأمازيغية ، فكانت فرصة نادرة لاجتماع ممثلي أهم بلدان شمال إفريقيا (المغرب الجزائر تونس ليبيا مالي النيجر وفعاليات الشتات ) لصياغة إحدى الوثائق الهامة في مسار النضال الأمازيغي بعنوان ” إعلان دوارنوني حول الحقوق الثقافية واللغوية والهوية للأمازيغ” الذي تضمن دعوة إلى إنشاء هيئة دولية تخص التعريف والدفاع عن المطالب الأمازيغية ، وهو الحلم الذي جسده الكونغريس العالمي الأمازيغي CMA الذي تحول مؤتمره التمهيدي إلى تأسيسي بداية شتمبر 1995 بسان روم دودولان جنوب فرنسا …

إنها نماذج من المحطات الوطنية والدولية التي كان لإيذ بلقاسم باع طويل في إنشائها وضمان ديمومتها ..بموازاة انشغاله المعتاد بمستقبل الحركة الأمازيغية مغربيا ، حاضرا ضمن النقاش الواسع الذي أطلقته الجمعيات والفعاليات الأمازيغية وعموم مكونات الحركة الأمازيغية بعد خطاب 20 غشت 1994 وتداعيات هذا الأخير على الوضع الثقافي والسياسي العام بالمغرب ،،، والتي دفعت بمكونات المجلس الوطني للتنسيق ِCNC إلى البحث عن المخارج التنظيمية لاستراتيجية التنسيق الوطني بعد استنفاذ الصيغة العرفية لمبررات وجودها ، وتفاعلا مع هذا الوضع طرحت خيارات تنظيمية عدة منها : مشروع أيذ بلقاسم نفسه المعنون ب” العمل بجناحين : ثقافي وسياسي ” تبعه بتعبئة واسعة من أجل بناء ” تنظيم سياسي ديمقراطي حداثي فيدرالي” الذي كشف عن خطوطه العريضة ضمن الورقة التي كانت مهيأة للقاء بوزنيقة الثاني الممنوع في يونيو 2001 مع باقي الخيارات المطروحة وقتذاك كأفق استراتيجي لانتظام إيمازيغن المغرب.

لم تنل التطورات الرسمية اللاحقة لملف الأمازيغية عندنا من عزيمة إيذ بلقاسم ، معترفا بكل ما قد يشوب تقديراته ومواقفه إزاء مستجدات هذا الملف من نواقص وإخفاقات في جانب ، ومن نضج وتقدم إيجابي في جانب آخر … سيما بعد إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي اعتبر إيذ بلقاسم وجوده كان نتيجة الدينامية التي ميزت الحركة الأمازيغية وهي تبحث ااستراتيجيتها السياسية للتأثير على القرارين الثقافي والسياسي ، وهو معهد يرهن إذ بلقاسم فعاليته بالإرادة السياسية الحقة في إنصاف الأمازيغية والتي ” لن يكفي لتوفرها خلق مؤسسة رسمية، بل لا بد أن تتجسد في توفير الموارد البشرية والمالية وإلغاء كل أشكال التمييز بين الأمازيغية والعربية في كل مؤسسات الدولة والمجتمع “..

الحسيمة في 14 ماي 2025