عبد اللطيف اللعبي
في حلقة جديدة من برنامج “ضيف ومسيرة”، حاورت الإعلامية عزيزة نايت سي بها واحدا من أبرز الأصوات الأدبية في المغرب والعالم العربي والفرنكفوني، الشاعر والروائي عبد اللطيف اللعبي، حلقة غنية بالاعترافات والتأملات في قضايا الهوية، التعليم في المغرب، الوضع في فلسطين وكذلك عن أهمية الكتابة.
بدأ الحوار من الواقع المغربي الراهن، حيث علق عبد اللطيف اللعبي على موجة الاحتجاجات الشبابية التي يشهدها المغرب، معتبرا أنها استمرار لتاريخ طويل من النضال الاجتماعي والسياسي، فبالنسبة له، مطالب الشباب اليوم (التعليم، الصحة، الكرامة، التشغيل) ليست جديدة، بل هي ذاتها التي رفعها المغاربة منذ الاستقلال.
وأكد الكاتب المغربي أن جوهر الأزمة يكمن في التعليم العمومي الذي يعتبره الركيزة الأساسية لأي مشروع ديمقراطي حقيقي وبدونها “لا يمكن أن نبني مواطناً يشارك بفاعلية في بناء البيت المغربي”. كما دعا إلى الإصغاء بصدق إلى هذه المطالب المشروعة، مؤكداً على سلمية الاحتجاج وضرورة أن تنخرط فيها القوى السياسية والنقابية والمدنية.
الهوية بين الانغلاق والانفتاح
في محور الهوية، تحدث الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي عن مفهوم الهوية الكونية التي تتجاوز الحدود الضيقة والانتماءات المغلقة. مستشهداً بكتاب “الهويات القاتلة” الروائي اللبناني أمين معلوف ودعا إلى التحرر من “سجن الهوية الواحدة” والانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال القراءة، السفر، وتبادل التجارب الإنسانية.
يرى اللعبي أن الانفتاح لا يعني الذوبان، بل الاغتناء: “كلما اكتشفتُ أدباً جديداً من أمريكا اللاتينية أو اليابان أو الدول الإسكندنافية، أكتشف هويات تغنيني شخصيا.
هذا الوعي بالهوية الإنسانية جعله يدافع عن فكرة المواطنة الكونية، حيث لا يمكن للفكر أن يزدهر داخل جدران القومية الضيقة أو الانغلاق الثقافي.
فلسطين… ذاكرة الألم وأفق الإنسانية
علاقة عبد اللطيف اللعبي بفلسطين ليست سياسية فقط، بل وجودية. فمنذ خمسين عاماً وهو يترجم الشعر الفلسطيني، ويرى فيه جوهر الإنسانية في مواجهة العدم. يقول: “رغم القهر والجوع في غزة، يظل الفلسطيني قادراً على الغناء والكتابة، لأن الكلمة هي آخر ما تبقّى له من أدوات الوجود.
تحدث الضيف عن عمله المشترك مع الصحفي والكاتب المغربي ياسين عدنان في أنطولوجيا «غزة، أهناك حياة قبل الموت؟»، مؤكداً أن شرعية الكلمة في هذه اللحظة التاريخية تعود لأبناء غزة أنفسهم.
تأمل اللعبي في فكرة الحب وسط الدمار، متسائلا: “هل يمكن لفتاة أو شاب في غزة أن يحبّا في زمن الحرب؟” سؤال يعكس حساسيته الإنسانية وإيمانه بأن الشعر يظل أداة للمقاومة الروحية عندما يعجز كل شيء آخر.
الشعر والرواية… الإبداع في مواجهة العدم
يرى عبد اللطيف اللعبي أن الشعر هو الفعل الأول للكتابة، لأنه الأكثر فورية وصدقاً في التعبير عن الذات والواقع. فبينما تحتاج الرواية إلى بناء وزمن وتخطيط، يولد الشعر من لحظة انفعال واحدة، كوميض. ويستشهد بقصيدة الشاعر الفلسطيني مروان مخول
لكي أكتب شعرا ليس سياسيا
يجب أن أصغي لصوت العصافير
ولكي أسمع العصافير
يجب أن تخرس الطائرة.
هذه المفارقة تجسد، في نظر اللعبي، الوظيفة الأخلاقية للشعر في زمن العنف والخراب. كما تحدث عن علاقته بالفنون الأخرى (الموسيقى، الرسم، السينما) مؤكداً أن “كل أشكال الإبداع تتكامل، والأدب الذي لا ينفتح على الفنون الأخرى يظل فقيراً.
الكتابة كضرورة وجودية
يصف عبد اللطيف اللعبي الكتابة بأنها “موعد غرامي يومي مع الحياة”. يقول: “إن لم أكتب يوماً، أشعر أنني لا أعيش”. يكتب كل صباح في غرفة مخصصة، كما لو كان يذهب إلى طقس حب، منتظراً ما ستلهمه به الكلمات. الكتابة عنده ليست مهنة ولا شغفاً فحسب، بل فعل حياة ومقاومة ضد العدم.
ويضيف أنه يشارك القارئ أسرار تجربته الإبداعية، فيكشف له “أبواب المختبر” التي تولد فيها القصائد والروايات، إيماناً منه بأن الكتابة فعل إنساني تشاركي.
جوسلين اللعبي… الرفيقة والمرآة
في لحظة مؤثرة من الحوار، تحدث عبد اللطيف اللعبي عن زوجته ورفيقة دربه جوسلين، التي شاركته الحياة والنضال والفكر لأكثر من ستين عاما، قال عنها: “لولاها، لما كنت الإنسان الذي أنا عليه اليوم.” يرى فيها أكثر من شريكة حياة، بل ركيزة إنسانية وأخلاقية اكتشف عبرها معنى الحب، والمساواة، والأنوثة كقارة إنسانية كاملة.
عبد اللطيف اللعبي شاعرٌ لم يتصالح مع الظلم، لكنه تصالح مع الحياة. كتب من السجن قصائد عن الحرية، ومن المنفى عن الوطن، ومن الشيخوخة عن الأمل، وظلّ حتى اليوم مؤمناً أن الكلمة — وحدها — تستطيع أن تُعيد للإنسان كرامته حين يسقط كل شيء آخر.

