عزلة جبهة البوليساريو في سياق مكافحة الإرهاب

جبهة البوليزاريو

بقلم: محمد العبوش

في عالم يشهد اضطرابات جيوسياسية متسارعة وتصاعدًا في التهديدات الأمنية، تجد جبهة البوليساريو، الحركة الانفصالية التي تزعم تمثيل الشعب الصحراوي في الصحراء، نفسها في تدهور مستمر، وفقًا لتقرير حاد اللهجة صادر عن المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية (ONES) في المغرب. التقرير، الذي نُشر هذا الأسبوع، يصف البوليساريو بأنها تحتضر سياسيًا وعسكريًا، فقدت كل شرعية، وتحولت إلى أداة بيد أجندات إقليمية معادية للوحدة الترابية للمغرب. وفي ظل الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، يدعو المرصد إلى عزل كامل للجبهة، واصفًا إياها بأنها عقبة أمام السلام وتهديد محتمل للاستقرار الإقليمي.

بوليساريو… هيكل فارغ ومعزول

يشير التقرير إلى أن البوليساريو، بعيدة كل البعد عن كونها قوة سياسية فاعلة، قد تحولت إلى قوقعة فارغة، غير قادرة على حشد الدعم الشعبي أو الحفاظ على تماسكها العسكري. أنشطتها في مخيمات تندوف بالجزائر تشوبها اتهامات بالفساد، والقمع، واختلاس المساعدات الإنسانية، بينما تآكلت قدراتها العسكرية السابقة أمام تصاعد قوة القوات المسلحة الملكية المغربية وتطور الأوضاع الأمنية في المنطقة. ويرى التقرير أن أي محاولة لإشراك البوليساريو في حل سياسي للنزاع الممتد منذ عقود في الصحراء تُعد مسعى عقيمًا.

تحول دبلوماسي لصالح المغرب

يتزامن تراجع البوليساريو مع إعادة تشكيل للمشهد الدبلوماسي العالمي تعزز موقف المغرب. فمنذ 2007، يقترح المغرب خطة للحكم الذاتي تحت سيادته، تكتسب دعمًا متزايدًا من القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. فرنسا، بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، جددت دعمها لهذه الخطة، ووصفتها بأنها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل دائم. هذا التحول في الموقف الأوروبي، الذي ينهي عقودًا من الغموض، عزز موقع المغرب داخل الأمم المتحدة، حيث لا تزال المفاوضات حول الصحراء تراوح مكانها.

من جهتها، لعبت الولايات المتحدة، الحليف الإستراتيجي للمغرب، دورًا محوريًا منذ اعتراف إدارة ترامب بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020 ضمن اتفاقات أبراهام. وقد واصلت إدارة بايدن هذا التوجه، معتبرة أن المبادرة المغربية تشكل حصنًا ضد عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة في مواجهة التهديدات الإرهابية وشبكات التهريب العابرة للحدود في الساحل. وتعتبر واشنطن المغرب شريكًا أساسيًا في جهود مكافحة الإرهاب، بفضل جهوده في تأمين حدوده وتعزيز التعاون الإقليمي.

أما إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء، فقد قامت في 2022 بتحول تاريخي بدعمها الرسمي لخطة الحكم الذاتي المغربية. وقد أدى هذا التغير إلى توتر علاقاتها مع الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو، وساهم في تهميش الخطاب الانفصالي في أوروبا. كما أعربت دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وهولندا، عن دعم ضمني للموقف المغربي، مفضّلة الاستقرار والشراكة الاقتصادية مع الرباط.

عزلة على الصعيد الإفريقي

إفريقيًا، تتعرض البوليساريو لتراجع غير مسبوق. فقد سحبت أو جمدت أكثر من 30 دولة، منها قوى كبرى كنيجيريا ورواندا والسنغال، اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة. وتثمّن هذه الدول الرؤية المغربية التي تركز على التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي. كما أن الاستثمارات المغربية الضخمة في الصحراء، خاصة في مجالات الموانئ والطاقة المتجددة ومشاريع مثل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، تعزز دور المملكة كمحرك للتعاون جنوب-جنوب.

وفي أمريكا اللاتينية، تعيد دول كانت متحالفة سابقًا مع الأطروحة الانفصالية، مثل البيرو وبوليفيا والأرجنتين، تقييم مواقفها. هذه الدول، المنجذبة للفرص الاقتصادية التي يوفرها المغرب، والواعية بتجاوزات الاصطفافات الإيديولوجية لما بعد الحرب الباردة، تبتعد تدريجيًا عن “الجمهورية الصحراوية”. أما في آسيا، فإن قوى كبرى مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان تدعم ضمنيًا وحدة المغرب الترابية، وترى في الرباط شريكًا إستراتيجيًا للولوج إلى السوق الإفريقية ومواجهة انعدام الاستقرار الإقليمي.

تهديد أمني في منطقة الساحل

يركز تقرير المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية على بعد أمني غالبًا ما يُغفل، يتمثل في التهديد الذي تمثله البوليساريو في منطقة الساحل والصحراء التي تعاني من اضطرابات. فهذه المنطقة، الممتدة من مالي إلى تشاد، تعد مرتعًا للجماعات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر. ويرى التقرير أن أنشطة البوليساريو، خصوصًا في مخيمات تندوف، تغذي هذا المناخ غير الآمن، مع وجود تقارير دولية تشير إلى علاقات محتملة بين عناصر من البوليساريو وجماعات مسلحة تنشط في الساحل، إضافة إلى تسرب النشاطات غير القانونية داخل المخيمات.

عسكريًا، البوليساريو في حالة ضعف شديد. قدراتها، التي كانت تعتمد على دعم خارجي وتدريب محدود، لم تعد قادرة على مجاراة تحديث القوات المسلحة المغربية، التي عززت مواقعها على طول الجدار الدفاعي في الصحراء. الهجمات المتفرقة التي تعلن عنها الجبهة، غالبًا ما يتم تضخيمها، ولا تنجح في إخفاء تراجعها العسكري. كما أن التوترات الداخلية في المخيمات، حيث ترتفع أصوات معارضة تنتقد التسيير السلطوي واختلاس المساعدات، تزيد من هشاشة الحركة.

وفي هذا السياق، يدعو المرصد إلى تصنيف البوليساريو قانونيًا كمنظمة إرهابية، وهي خطوة من شأنها، بحسب التقرير، أن تجفف منابع تمويلها، وتحد من تحركاتها الدبلوماسية، وتقلص قدرتها على زعزعة الاستقرار. هذه الدعوة تندرج ضمن إستراتيجية أشمل لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، حيث يضطلع المغرب بدور محوري من خلال مبادرات مثل مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel) وشراكات ثنائية مع بلدان مثل مالي والنيجر.

مبادرة الحكم الذاتي: السبيل الوحيد

يجدد التقرير تأكيده على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي قُدمت عام 2007، تمثل الحل الوحيد الواقعي لتسوية النزاع، مع الأخذ بعين الاعتبار التحديات الأمنية بالمنطقة. الخطة، التي تضمن حكمًا ذاتيًا موسعًا للسكان الصحراويين تحت السيادة المغربية، تُعتبر نموذجًا للحكامة يمكنه أن يرسّخ الاستقرار في الصحراء ويكبح التهديدات العابرة للحدود. الاستثمارات المغربية في المنطقة — من موانئ وطرق ومزارع رياح وشمس — تهدف إلى تحويل الصحراء إلى مركز اقتصادي إقليمي، ما يقلل من هشاشتها أمام الجماعات المتطرفة.

خاتمة: زمن البوليساريو ولى

يخلص التقرير إلى أن جبهة البوليساريو، وقد تراجعت إلى موقع هامشي، لم تعد موجودة إلا في خطابات حنين إلى ماضٍ مضى. دون شرعية شعبية، أو قوة عسكرية تُذكر، أو دعم دبلوماسي فعلي، تبدو الجبهة محكومًا عليها بالاندثار. ويحذر المرصد من أن استمرار الغموض حيالها يعني تجاهل الإنجازات التي حققها المغرب والمخاطرة بأمن منطقة استراتيجية في الحرب العالمية ضد الإرهاب.

في منطقة الساحل التي تعاني من أزمات متفاقمة، حيث بات الاستقرار ضرورة ملحة، يبرز المغرب كفاعل محوري حامل لرؤية شاملة تدمج بين التنمية والأمن والتعاون الدولي. أما البوليساريو، فقد أصبحت أثرًا من الماضي، عاجزة عن التكيف مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

ينشر بالاتفاق مع “موند أفريك” www.mondafrique.com