تشكل عودة الصحفي علي المرابط إلى المغرب، بعد سنوات طويلة من المنع والتضييق، حدثا سياسيا وحقوقيا يستحق التوقف عنده، ليس باعتباره انتصارا لشخص بعينه، وإنما بوصفه مؤشرا على أن الكلمة الحرة، مهما طال حصارها، تظل قادرة على فرض حضورها. فالقضايا المرتبطة بحرية التعبير لا تُقاس بمصائر الأفراد وحدها، بل بما تكشفه من طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والحقوق والحريات التي يفترض أن تكون مكفولة لجميع المواطنين دون تمييز. ولا تقاس قيمة هذا الحدث بعودة فرد إلى وطنه فقط، بل بما يثيره من أسئلة عميقة حول واقع الحريات العامة، واستقلال القضاء، وضمان الحق في التعبير والصحافة.
لقد ظل علي المرابط، لسنوات، أحد أبرز الوجوه الصحفية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير، ودفع ثمناً باهظا لمواقفه، من خلال المنع والمتابعات والحرمان من بعض حقوقه. ومن هذه الزاوية، فإن عودته تحمل بعدا رمزيا يؤكد أن السياسات القائمة على الإقصاء والمنع لا تستطيع أن تمحو أثر الكلمة أو تلغي حضور أصحابها في الذاكرة السياسية والحقوقية. فالتجارب التاريخية، في مختلف أنحاء العالم، أظهرت أن الأفكار لا تُهزم بالإقصاء، وأن النقاش العمومي لا يزداد قوة إلا عندما تتعايش داخله الآراء المختلفة والمتعارضة في إطار احترام القانون والحقوق الأساسية.
غير أن القراءة النقدية لا تتوقف عند الاحتفاء بالعودة في بعدها الإنساني، بل تذهب إلى مساءلة الأسباب التي جعلت مواطنا مغربيا يعيش كل هذه السنوات بعيدا عن وطنه بسبب خلافات مرتبطة بممارسته لحقه في التعبير. فالرهان الحقيقي لا يكمن في عودة شخص، وإنما في بناء دولة تضمن لجميع المواطنين، دون استثناء، الحق في الاختلاف، وفي التعبير الحر، وفي ممارسة العمل الصحفي بعيدا عن الضغوط أو القيود غير المبررة. فاستقرار الدول لا يتحقق بإضعاف الأصوات الناقدة، وإنما ببناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وإرساء قواعد واضحة تكفل الحقوق وتضمن المساءلة والمحاسبة في إطار سيادة القانون.
إن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني تبني كل الآراء التي يعبّر عنها الصحفيون، وإنما الدفاع عن حقهم في التعبير في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين. لذلك فإن أي تقدم ديمقراطي حقيقي يقتضي توسيع فضاء الحريات، وتعزيز الضمانات القانونية والمؤسساتية التي تكفل استقلال الإعلام وحماية الصحفيين من كل أشكال التضييق. فالصحافة ليست امتيازاً لفئة مهنية، بل هي إحدى الآليات التي تمكن المجتمع من مراقبة الشأن العام، وإغناء النقاش العمومي، وإيصال أصوات الفئات المختلفة إلى المجال العام.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تكون عودة علي المرابط مناسبة لفتح نقاش وطني جاد حول أوضاع حرية التعبير، وإزالة كل القيود التي تحد من العمل الصحفي، وإرساء مناخ يسمح بتعدد الآراء، لأن الديمقراطية لا تبنى بالإجماع القسري، بل بالاختلاف المشروع والتعددية السياسية والفكرية. كما تمثل هذه العودة فرصة للتفكير في سبل تعزيز الضمانات الدستورية والقانونية التي تجعل الحقوق والحريات مستقرة وغير مرتبطة بالتحولات السياسية أو بالظروف الظرفية.
وفي المقابل، فإن اختزال هذا الحدث في انتصار شخصي فقط يفوّت دلالته السياسية الأوسع. فالقضية ليست قضية فرد، بل قضية مجتمع يسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، حيث تصبح الحقوق مضمونة بحكم المؤسسات، لا رهينة للظروف أو التوازنات السياسية. فالديمقراطية تقاس بمدى قدرتها على استيعاب الرأي المخالف، وعلى تحويل الاختلاف إلى مصدر لإثراء الحياة العامة، لا إلى سبب للإقصاء أو التوتر.
إن عودة علي المرابط تمثل، في بعدها الرمزي، دليلا على أن المطالبة بالحقوق والحريات تظل حاضرة رغم كل الصعوبات. لكنها لا تعني، في حد ذاتها، أن جميع الإشكالات المتعلقة بحرية التعبير قد حُلّت. ولذلك يبقى النضال من أجل صيانة الحقوق الأساسية، وتوسيع مجال الحريات، وتعزيز استقلال المؤسسات، مهمة مستمرة، لا ترتبط بأسماء الأشخاص، بل بحق المجتمع بأسره في فضاء ديمقراطي يحترم الكرامة الإنسانية ويصون حرية الكلمة باعتبارها أحد أسس أي مشروع ديمقراطي حقيقي. فالانتصار الحقيقي لا يكمن في عودة شخص إلى وطنه فحسب، بل في ترسيخ بيئة يصبح فيها الاختلاف حقا مصونا، والنقد مسؤولية مدنية، وحرية التعبير ضمانة دستورية يمارسها الجميع دون خوف، في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين.
ابو علي بلمزيان

