محمد التكانتي
في زمن مضى، كان المغربي إذا أراد أن يفهم العالم، فتح كتب محمد عابد الجابري أو تتبع تحليلات عبد الله العروي. و إذا شاء أن يقرأ في الفكر الاسلامي فتح كتب عبد السلام ياسين و مالك بن نبي إذا أراد أن يعرف مصير الأمة، أصغى إلى المهدي المنجرة.
إذا أراد أن يستلهم روح المقاومة، قرأ عن عبد الكريم الخطابي و عباس المساعدي أو تتبّع سيرة علي يعتة وبن سعيد آيت يدر. وإذا أراد أن يصون هويته، لجأ إلى محمد شفيق وعبد الله كنون. هؤلاء كانوا صُنّاع الرأي… رجال فكر لا يُعلّقون على “الترند”، بل يصنعونه.
أما اليوم؟
صانعو الرأي هم الشيخ صار، إحساس، الراقصة مايا، ، ولد الشينوية، طالوني صوفيا، دنيا الملولي. نزار فقيه التيتوك وفيلق كامل من المؤثرين والمؤثرات الذين لا يحتاجون لأكثر من هاتف وكاميرا وحركات وجه غريبة ليرسموا المستقبل المعرفي للأمة للأسف .
في الزمن الأول، كانت الجلسات تُفتتح بسؤال حول “إشكالية العقل العربي”، وتُختتم بنقاش حول “سؤال الحداثة”. اليوم تُفتتح بالقول: “واش شفتو جديد إحساس؟”، وتُختتم بـ “داكشي خطير بزاف فتيك توك”.
كان المفكر قديماً يسهر الليالي ليُنتج كتاباً قد يُراجع فيه نظرية أو يُبشّر بمرحلة جديدة. أما اليوم، يكفي فيديو من دقيقة وعشرين ثانية بـ”فلتر كلب” ليتحول صاحبه إلى مرجع سوسيولوجي وشاعر ملحمي وفقيه أو فيلسوف .
في الماضي، كان الفكر يحتاج عقلاً.
اليوم، يكفي تطبيق بسيط أنتجه الغرب او الشرق !
في الماضي، كانت الرصانة تُكسب الاحترام.
اليوم، السخافة تُكسب “السبونسور”.
في الماضي، كان الرأي يُصنع في الندوات والمجلات والمحاضرات و حلقيات النقاش في الجامعات ..
اليوم، يُصنع على حسابات “إنستغرام” و”تيك توك”… ويتبخر بنفس السرعة التي نضحك بها على تفاهته.
نعم، لقد تغير الزمن.
لكن الخطر كل الخطر، أن يُؤخذ هؤلاء التافهون مأخذ الجد، وأن تُصبح مقاطعهم مرجعية، بينما تُرجم كتب الجابري والعروي والمنجرة إلى ركن النسيان.
فيا أمة كانت تقرأ…
اقرئي ما شئتِ من ترهات المؤثرين، فقط لا تسألي بعد سنوات: “أين كنا نخطئ؟”

