“سلسلة تساؤلات مغربية”؛ هي سلسلة مقالات، يكتبها الناشط السياسي، ناجي العماري.
ننشر اليوم المقال الأول، الموسوم بـ” الوضع السياسي في المغرب على ضوء التجارب السابقة”؛ وهو واحد من المقالات الثلاثة التي تندرج ضمن الجزء الأول (المغرب بين دروس التاريخ وإرادة المستقبل). من هذه السلسلة التي تتكون من سبعة أجزاء.
التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو مجال للصراع بين القوى المتنافسة على السلطة، بين إرادة الهيمنة ورغبة التحرر. في المغرب، تتجلى هذه الصراعات في تحولات النظام السياسي، الذي حاول في كل مرحلة الحفاظ على استمراريته عبر إعادة تشكيل آلياته وأدواته. فمنذ الاستقلال، كان المسار السياسي يتراوح بين الانفتاح الحذر والإغلاق المحكم، بين وعود الديمقراطية وإكراهات السلطة.
لكن السؤال اليوم هو: هل استوعب المغرب دروس تاريخه، أم أنه ما زال يدور في نفس الحلقة؟ هل هناك قطيعة حقيقية مع أنماط الحكم التقليدية، أم أننا نشهد فقط إعادة إنتاج متجددة للقديم بأدوات جديدة؟
يقول هيغل إن “ما نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم شيئًا منه”، لكن هل هذا ينطبق على المغرب؟ من الصراع بين القصر والحركة الوطنية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى تجربة التناوب التوافقي في التسعينيات، وصولًا إلى الحراك الشعبي في 2011، كان النظام السياسي دائمًا قادرًا على التكيف، لكنه لم يكن قادرًا على إحداث تحول جذري في بنية الحكم.
إن مراجعة التجربة السياسية المغربية تفرض علينا طرح أسئلة تتجاوز السرد التقليدي:
• هل كانت التحولات السياسية التي عرفها المغرب مجرد استجابة ظرفية أم أنها تعكس تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة؟
• هل يمكن الحديث عن ديمقراطية فعلية، أم أننا أمام آليات جديدة لإدارة التوازنات داخل نفس النسق السلطوي؟
• كيف يمكن فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع في ضوء التجارب السابقة، وهل هناك إمكانية لتجاوز هذه العلاقة نحو نموذج أكثر ديمقراطية؟
التحديث السياسي أم إعادة إنتاج السلطوية؟
يبدو أن المغرب يتبنى نموذجًا سياسيًا قائمًا على التكيف بدل التغيير الجذري. فمنذ تبني دستور 2011، الذي جاء استجابة للحراك الشعبي، ظلت ممارسات الحكم تخضع لمنطق “الإصلاح في ظل الاستمرارية”، أي أن الدولة تمنح بعض التعديلات الشكلية دون المساس بجوهر الترتيبات السلطوية.
لكن هذا النموذج له حدوده، إذ أن التحولات المجتمعية المتسارعة قد تجعل من الصعب احتواء مطالب التغيير بنفس الأدوات التقليدية. هنا، يُطرح التساؤل: هل النظام السياسي قادر على تجديد نفسه بما يسمح بتحقيق ديمقراطية فعلية، أم أنه يستمر في إدارة الزمن السياسي بطريقة مؤقتة إلى حين حدوث انفجار جديد؟
يقول غرامشي: “القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش”. فهل نحن في المغرب أمام حالة شبيهة؟ هل نشهد نهاية مرحلة وبداية أخرى، أم أننا لا نزال عالقين في مرحلة انتقالية لا تنتهي؟

