نحو فهم حقيقي للشباب..

أمام ما تعرف البلاد من أوضاع سياسية واجتماعية وحقوقية متردية. بعدما أرخت الثورات المضادة بضلالها على حركية الشعوب، وبعد أن رجع بنا الزمن إلى ما قبل ما عرف ب ” الربيع الديمقراطي”. هذا الربيع، الذي كان الشباب قوته الضاربة، ومحركه الأساسي والفعال.

وبعدما أغلق القوس الذي فتحه شباب حركة 20 فبراير في مجال الحقوق والحريات، والممارسة الديمقراطية. وبعد أن فرض شباب 20 فبراير على الكتلة الحاكمة، ما لم تفرضه أحزاب وتنظيمات عريقة.

الٱن، وجب وضع زووم على وضع الشباب المغربي لفهم واقعه وتطلعاته، وكيف نعمل على استثمار كل ما يتمتع به من طاقات في سبيل ربح معركة الديمقراطية، وتغيير موازين القوى، وضبط نصابها.

أولا : الشباب المغربي : أرقام بسرعة

بالرغم من كوني لا اهوى استعمال لغة الأرقام، فلا بأس من الإشارة إلى بعضها المرتبط بالشباب المغربي، لفهم وضعه الاجتماعي.

لقد أوضحت مذكرات المندوبية السامية للتخطيط بأن عدد الشباب في المغرب ارتفع من 11.5 مليون سنة 2014 إلى 11,8 مليون سنة 2023، وأن العدد مرشح للارتفاع في أفق 2030.

كما أوضحت المندوبية في مذكراتها، بأن معدل البطالة ارتفع سنة 2024 الى 13.3 بالمائة، وبأن عدد العاطلين انتقل بين 2022 و2024 من 1.580.000 إلى 1.638.000 عاطل عن العمل.

وأوضحت المندوبية السامية للتخطيط بأن الفئات العمرية المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة تبلغ نسبة البطالة بينهم 36.7 بالمائة، والفئات بين 25 و34 سنة 21 بالمائة، و 7.6 بالمائة بالنسبة للفئة بين 35 و 44 سنة.

إن الأرقام أعلاه، تؤكد بأن الشباب هم القوة المركزية داخل الهرم الديمغرافي المغربي،كما أنهم الفئة الأكثر معاناة من السياسات العمومية المنتهجة، والآثار المدمرة للنيوبلرالية، والتي تجعلهم في وضع اجتماعي مزري، تنتج عنه ظواهر اجتماعية خطيرة مثل : الهجرة، التطرف، الإدمان، الإجرام…الخ

ثانيا : الشباب : طاقات بدون حاضنة

أكيد؛ أن كل متتبع للديناميات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ زمن 20 فبراير، سيخلص الى أن طليعتها ومحركها الرئيسي هم الشباب : الأساتذة المتدربين، الأساتذة المتعاقدين، حراك جرادة، حراك الريف، معركة طلبة كلية الطب و الصيدلة…
ومما لا شك فيه، بأن كل هاته الديناميات لم يكن للتنظيمات التواقة للتغيير (أقصد تنظيمات اليسار بشكل خاص)، أي دور يذكر، باستثناء وضع المتابع مع إصدار البيانات والتعبير عن التضامن. عكس ما حدث زمن 20 فبراير، من خلال تشكيل مجالس الدعم وما لعبته من أدوار مهمة في متابعة نضالات حركة 20 فبراير، والمساهمة في تاطيرها، وما أتاحه احتكاك التنظيمات المشكلة لمجالس الدعم من فرصة للتواصل مع الشباب واستقطاب واحتضان العديد منهم/ن.

ربما، صدمة الشباب الذي التحق بهاته التنظيمات من وضعها التنظيمي المعقد، الذي لم يساير زخمهم الحركي، وطاقاتهم المتفجرة، بسبب ضعف هاته التنظيمات، وبيروقراطيتها احيانا، وتعثر عجلة دورتها التنظيمية، وضعف ابداعها، ونظرتها للشباب الذي لا يرى فيه العديد من قياداتها سوى ملحقة، يستعملها عن الاقتضاء، وفئة تابعة تخضع للتعليمات والوصاية، وربما تستعمل في حروب قذرة. وهو الشيء الذي جعل العديد من هؤلاء الشباب يغادر هاته التنظيمات، ويبتعد عن السياسة جملة، في حين اختار القليل منهم/ن المقاومة داخلها، وفرض نفسه رغم عناد الشيوخ.

ثالثا : “الالتراس” : الفضاء الرحب

حسب مجموعة من الباحثين، فقد وصلت ظاهرة “الالتراس” للمغرب سنة 2005 قادمة من ايطاليا مهد حركة “الالتراس”، مع تأسيس ” التراس عسكري الرباط” مشجعي نادي الجيش الملكي، وبعدها مجموعة “جرين بويز” مشجعي نادي الرجاء البيضاوي، لتنتشر فيما بعد في مجموع المدن مع مختلف الأندية الرياضية.

وجد المئات من الشباب/ت المغربي في ظاهرة “الالتراس”، ذلك الفضاء الرحب الذي يمكنهم من تفجير وتحرير طاقاتهم، والتعبير عن الغضب والسخط الاجتماعي، الذي يتحول في بعض الأحيان إلى عنف غير مفهوم، نتيجة المكبوتات الاجتماعية.
لا يفرق “الالتراس” ضمن منتسبيهم بين غني أو فقير، متعلم او أمي، ليس في الالتراس قيادات بيروقراطية، تخشى من الشباب مزاحمتها الأضواء والكراسي، تعوق طاقاتهم وتحول دون تطورها. لا يوجد في “الالتراس” سوى صديقهم “الكابو” الذي ينسق عملهم، ويعد مايسترو أهازيجهم وأغانيهم.

وجد شبابنا/انا في “الالتراس” الحاضنة التي تستوعب تطلعاتهم، وتفهم تخوفاتهم، دون تعقيدات مفاهيمية أو ايديولوجية، ولا كوابح بيروقراطية. وفي عز المشهد السياسي البئيس، يفجر شبابنا/تنا طاقاتهم/ن الإبداعية من خلال الاهازيج والشعارات و”التيفوهات”( العروض البصرية) التي تشمل مختلف القضايا، في منتهى الجمالية والرونق.
وما تفاعلهم مع القضية الفلسطينية مثلا الى خير دليل.

هجر شبابنا/تنا البنية الحزبية القائمة (بمختلف مرجعياتها) التي تعجز الآن حتى على تاطير منتسبيها، نحو “الالتراس”، في تعبير صارخ عن عدم الرضى على عرضها وأداءها السياسيين، ليجدوا نفسهم في مواجهة مباشرة مع الدولة من خلال أفراد الأمن في الملاعب والشوارع.

رابعا : مواقع التواصل الاجتماعي : سيف ذو حدين

بعد أن لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا مركزيا في إشعال فتيل الشارع إبان “الربيع الديمقراطي”. وبعد أن كان الفايسبوك وتويتر وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، أداة للدعاية والتحريض، ونشر الوعي والتحسيس بالقضايا العادلة في مختلف دول العالم.

أصبحنا نرى اليوم، بأن هناك ماكينة إعلامية تحاول تعطيل وتغيير هاته الأدوار، بجعل مواقع التواصل الاجتماعي معولا لهدم الوعي لدى الشباب وتزييفه، وجره الى مستنقع الرداءة والتفاهة.

حيث أصبح العديد يميل إلى المحتوى البديء والتافه، بغية التخلص من وضعه الاجتماعي، ولا يهمه في ذلك القيم، أو الاخلاق، أو المبادئ، ولا القضايا العادلة، كل ما يهمه تحقيق رقم مشاهدات يتيح له الحصول على دولارات اليوتيوب، أو تفاعلات التيكتوك ورمزها الأسد، الذي يتحول بدوره إلى بضع دولارات.

أمر في غاية الخطورة، وجب علينا الانتباه له لتحصين الوعي والحفاظ على المحتويات الهادفة وتعزيزها وتقويتها، وهي مسؤولية الجميع.

خامسا: الشبيبة التعليمية : الفراغ المهول

تعاني الشبيبة التعليمية من فراغ مهول في تنظيماتها الذاتية، وتراجع خطير في مدها النضالي وامتداداتها الجماهيرية، أدى في الكثير من الأحيان إلى التفكير في ايجاد بدائل لها.

لازال وضع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، يعيش أزمته المتفاقمة بتواتر الزمن: فصائل طلابية يسارية راديكالية في تراجع مستمر (حتى في المواقع التي كانت تعتبر قلعة لها)، استمرار العنف الجامعي باعتباره أحد مرتكزات أزمة اوطم، هياكل أحادية لا تتمتع بشرعية طلابية يستفرد بها فصيل العدل والاحسان، اقتصار المكونات الطلابية على النضال الموسمي (الاسابيع الثقافية)، وغياب المعارك الجماهيرية الحقيقية المرتبطة بالشارع (لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة).
وما معركة طلبة كلية الطب و الصيدلة إلا خير دليل على عجز كل المرتبطين باوطم تجاه هاته المعركة، وتجاه مختلف المعارك التي عرفتها مجموعة من المؤسسات والمعاهد الجامعية.

أيضا، التراجع الخطير الذي عرفته حركة المعطلين بالمغرب، الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب وكذا التنسيقيات والمجموعات المختلفة للمعطلين، نتيجة وضع الردة العام، ونتيجة تراجع وضعف التنظيمات اليسارية التي شكلت حاضنتها المؤسسة ، رغم أن الشروط الموضوعية متوفرة وبقوة لانتاج زخم نضالي قوي لحركة المعطلين بالمغرب.

ختاما، كل ما اثرناه من مجالات اهتمام الشباب، هي معطيات لمحاولة فهم جيدة وحقيقية لواقع الشباب، من اجل انتاج قناطر مناسبة للتواصل معه، وفك عقدة عدم ثقته في التنظيمات القائمة، خاصة اليسارية لتعزيز هويته الكفاحية، وبالتالي فلا يمكننا اليوم استقطاب الشباب وتبيوأهم مكانتهم الحقيقية، دون تحليل كل المجالات المرتبطة بهم وانتاج الإجابات العملية حولها، كما ان الاستمرار في عدم اللامبالاة تجاه هاته الفئة العريضة والمفعمة بالطاقة والحيوية، سيكون له تبعاته حيال الدولة التي لم تجد مؤطرا لها، وتجاه التنظيمات القائمة التي ستجد نفسها متجاوزة بعشرات السنين.

جواد اتلمساني في : 27/04/2025