وليد ميمون الذي حول “دشار” إلى نشيد هوية، وحينما غناه استيقظ الوطن..

شهادة محمد الزياني، على هامش احتفاء جمعية ماسنيسا الثقافية / طنجة بالفنان وليد ميمون ليلة السبت 28/02/2026

أحسنت جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة صنعًا وهي تستحضر، تزامنًا مع الذكرى 34 لتأسيسها، قامة فنية موسيقية من حجم الفنان وليد ميمون، جاعلة من تجربته الغنائية محور لقاء ثقافي احتضنته رحابها مساء السبت 28 فبراير 2026، تحت شعار: “دور الأغنية الملتزمة في الحفاظ على الهوية الأمازيغية – وليد ميمون نموذجًا” من تأطير الأستاذ محمد انعيسى. وبذلك لم تكن تحتفي بفنان فحسب، بل كانت تحتفي بجزء حيّ من الذاكرة الثقافية للريف، وبمسار فني ارتبط عضوياً بقضايا الهوية والانتماء.

كم كان شغفي كبيرًا أن أكون من بين المساهمين في هذا اللقاء الثقافي المتميز، لولا ظروف قاهرة حالت دون حضوري، شغف غذّاه اعتباران أساسيان:

أ‌) علاقتي الإنسانية الخاصة بوليد ميمون.

ب‌) تقديري العميق لتجربته الفنية الرائدة.

غير أن الغياب الجسدي لم يمنعني من استعادة محطات شخصية في علاقتي بوليد ميمون، التي تعود إلى مطلع الثمانينيات، وبالضبط خلال فعاليات المهرجان الثاني للأغنية الشعبية بالناظور صيف 1980، الذي نظمته جمعية الانطلاقة الثقافية تحت شعار: “تطوير الأغنية الشعبية إغناء للثقافة الوطنية”، والذي كنت ضمن فرقة “تواتون” من المشاركين في فعالياته.

يومها، كان وليد ميمون شابًا قادمًا من عمق القرية الريفية، محمّلًا بهموم أهلها وعبق تربتها وذاكرتها الموسيقية، معتنقًا قيثارته وأرمونيكاه، يخفي في صوته مشروعًا فنيًا لم نكن ندرك آنذاك حجمه. كان حضوره استثنائيًا؛ فما إن اعتلى المنصة ليصدح بأغنيته الشهيرة “دشار إنو” حتى اهتز وجدان الجمهور، وتعالت الزغاريد، وتحول الفضاء إلى حالة وجد جماعي ، مستمرا في ملامسة أعماق الحاضرين بأغنيتيه: “بويْذونان” و“ذورد أمينو”، وتمكن بأدوات بسيطة من تحويل اللحظة الفنية إلى احتفال جماعي بالهوية والانتماء.

لقد حوّل ميمون هذا “الدشار” من فضائه الجغرافي المحدود إلى وطن رمزي يسكن الحناجر والقلوب. لم تكن الأغنية مجرد أداء موسيقي، بل كانت بيانًا وجدانيًا عن الأرض والذاكرة والهجرة والحنين، واختزالًا لعلاقة الإنسان الريفي بمجاله الطبيعي والاجتماعي.

في تلك اللحظة أدركت أنني أمام تجربة تتجاوز نمطية الأغنية الفردية التقليدية، بعد أن نجح وليد ميمون في إحداث ثورة داخل الأغنية الريفية من خلال الجمع بين بساطة الأداء وعمق الكلمة، وبين الوفاء للموروث الموسيقي والانفتاح على آفاق لحنية جديدة.

توطدت علاقتنا لاحقًا عبر المراسلات، ثم التقينا من جديد طلبةً بشعبة الفلسفة بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، حيث اندمج ميمون الطالب سريعًا في فضائها الثقافي، وظل وفيًا لخياره الغنائي المرتبط بقضايا الناس وهمومهم.

فمنذ دراسته الثانوية مرورًا بالمهرجانات واللقاءات الجامعية والجمعوية، شقّ وليد ميمون مسارًا فنيًا متفردًا ساهم في تجديد الأغنية الأمازيغية بالريف دون أن يتخلى عن جذورها الأصيلة. وفي إحدى محطات هذا المسار، وجد في الفنان الراحل عموري امبارك  ( من مؤسسي مجموعة أوسمان وصديق دائم لجمعية الانطلاقة ولرئيسها مارزوق تحديدا) ، قلت ، وجد فيه سندًا ومشجعًا على توثيق أعماله والتعريف بها، وهي لحظة مفصلية في مسار فنان شق طريقه بثبات.

كما لا يُنسى حضوره في أنشطة جمعية أنكور للثقافة والفنون بإمزورن ، ومساهماته السخية أمسياتها الغنائية بسينما موريتانيا ، حيث أمتع أمتع ساكنة هذه البلدة الوديعة بالشكل الذي سيظل اسمه راسخا في ذاكرتها إلى الأبد ، وبالمثل مساهماته مع فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة، حيث كان يستجيب لدعواتها دون تردد.

تكمن عبقرية وليد ميمون في بساطته ووفائه للتراث الموسيقي الريفي، وفي قدرته على تحويل المحلي إلى أفق إنساني أوسع. يكفي أن يلامس أوتار قيثارته وينفخ في أرمونيكاه حتى تنبعث ألحان تنقلك إلى عبق التربة الريفية وصفاء المقامات الأصيلة. لقد كان جسرًا عبرت من خلاله الألحان الريفية إلى آفاق أرحب، في انسجام مع تجارب قبائلية رائدة لأمثال إيدير وآيث مانكّلاد وجمال علام ومعطوب لوناس وتكفاريناس وجورجورة.

آخر لقاء جمعني به كان سنة 2005 ببلدة Mataro/Barcelona، خلال احتفالية رأس السنة الأمازيغية، حيث أكد مرة أخرى أن الفن الملتزم يمكن أن يكون جسرًا بين الداخل والمهجرحيث استقر لمدة طويلة.

إن استحضار ماسنيسا لوليد ميمون هو تكريم لجيل آمن بأن الأغنية الملتزمة ليست ترفًا فنيًا، بل رسالة وهوية وموقف. وهي شهادة أقدمها بمحبة واعتزاز، وفاء لفنان ظل وفيًا لأرضه وصوت الناس البسطاء.

إن الحديث عنه اليوم هو اعتراف بمسار فني أسهم في إعادة تعريف الأغنية الأمازيغية بالريف، ومنحها أفقًا يجمع بين الأصالة والتجديد. لقد ظل، في بلده كما في المهجر، وفيًا لنبض الأرض ولوجع الهجرة، فكان أحد الجسور التي عبرت عبرها الأغنية الأمازيغية إلى أفق إنساني رحب. وحين يغني، لا يقدّم عرضًا موسيقيًا فحسب، بل يستدعي ذاكرة ويوقظ حنينًا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حقه: إن وليد ميمون لم يغنِّ لـ“الدشار” فقط، بل جعل من الأغنية نفسها دشارًا يسكننا جميعًا.

كلمة لا بد منها:

لا يمكن فصل هذا الاحتفاء بالفنان وليد ميمون عن المسار الثقافي الذي راكمته جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة منذ تأسيسها سنة 1992. فقد دأبت الجمعية على استحضار الرموز الفنية والفكرية التي أسهمت في بناء الوعي الأمازيغي الحديث، إيمانًا منها بأن الثقافة رافعة مجتمعية أساسية، وأن الفن الملتزم جزء لا يتجزأ من مسار صون الهوية وترسيخ قيم التعدد والكرامة.

في الحسيمة بتاريخ: 02/03/2026