أسماء زروق
في رحلة بين السماء والأرض، كتب النقيب الطيار السابق صالح حشاد فصول حياة استثنائية، انطلقت من قمرة الطائرة الحربية إلى دهاليز المعتقل السري تزممارت، ليصبح واحدا من أبرز الشهود على مرحلة حرجة في تاريخ المغرب، غادر حشاد دنيا الناس أول أمس السبت بالقنيطرة عن 87 عاما، تاركا خلفه سيرة تختزل صفحات من تاريخ المغرب العسكري والسياسي، بما تحمله من تجارب إنسانية تحولت لاحقا إلى شهادات مكتوبة خلدت تجارب جيل عاش قسوة الحديد والجدران الباردة.
من قمرة الطائرة إلى أقبية تزممارت
ولد حشاد سنة 1938 بمدينة بني ملال، والتحق بالمدرسة العسكرية بمراكش سنة 1957، قبل أن يبتعث إلى فرنسا للتدريب على الطيران الحربي، حيث أنهى دراسته سنة 1959، قاد طائرات الميغ السوفياتية التي أهديت للملك محمد الخامس سنة 1960، وكان آخر من ودع هذه الطائرات في استعراض جوي سنة 1965 بعد التحالف العسكري بين المغرب والولايات المتحدة الأميركية.
لاحقا، أرسل إلى قاعدة فنس إيرفورس في أوكلاهوما للتدريب على طائرات F5 فائقة السرعة، حيث تفوق على زملائه الأميركيين ونال درع “Top Gun” كأول طيار أجنبي يحقق هذا الإنجاز، بعدها عاد إلى المغرب والتحق بقاعدة القنيطرة الجوية، ثم عاد مجددا سنة 1968 إلى الولايات المتحدة، حيث تابع دراسات متقدمة في الكلية الجوية بقاعدة مونتغمري بألاباما، وكان الطيار الوحيد غير الأميركي الذي شارك بطائرته في حفل التخرج.
عقب عودته، تدرج في المسؤوليات داخل سلاح الجو المغربي من قائد سرب إلى قيادة فيلق جوي، ثم رئيسا للعمليات بقاعدة القنيطرة، لكن مساره العسكري انقلب رأسا على عقب يوم 16 غشت 1972، حين كان يقود سربا لمرافقة طائرة الملك الحسن الثاني العائدة من فرنسا، فتفاجأ بمشاركة ثلاثة من الطيارين المرافقين في محاولة انقلابية استهدفت الطائرة الملكية، التي أصيبت بأضرار جسيمة لكنها تمكنت من الهبوط، فيما فشلت المحاولة التي قادها الجنرال محمد أوفقير.
كان حشاد شاهدا على وفاة عدد من رفاقه داخل المعتقل، واحتفظ في ذاكرته بتفاصيل مروعة عن تلك المرحلة، ليصبح اسمه لاحقا مرادفا لـ”الذاكرة الحية” التي تروي زمن الانقلابات السياسية في المغرب.
ذاكرة لا تموت
خرج حشاد من المعتقل سنة 1991 بعدما قضى 18 سنة ضمن دفعة من الناجين من تزممارت، ليبدأ رحلة جديدة في مواجهة الألم عبر الكتابة، حيث عاش سنواته الأخيرة في فرنسا، بعيدا عن وطنه، لكنه ظل يحمل المغرب في قلبه، ويعيد رواية قصته في كل مناسبة، دفاعا عن ذاكرة جماعية لم يكن يريد لها أن تُمحى، فحول معاناته إلى رسالة توثيق وإنصاف، في عام 2000، نشر كتابه الشهير “كبزال: تزممارت من الداخل”، الذي سرد فيه أدق تفاصيل الحياة اليومية في الزنازين، من برودة الجدران إلى وجوه الرفاق الذين رحلوا واحدا تلو الآخر.
لم يكتف بهذا العمل، بل واصل الكتابة بإصدار مؤلفات أخرى، من بينها “Mémoire d’un rescapé de Tazmamart”، وساهم في شهادات وثائقية وبرامج إعلامية، مساهما في كشف الحقائق وتوثيق مرحلة من التاريخ السياسي المغربي.
عرف حشاد بنضاله الحقوقي بعد الإفراج عنه، إذ ظل يدافع عن رفاقه المعتقلين السابقين وحقهم في الاعتراف والإنصاف، كما شارك في ندوات ومحاضرات دولية، ليحكي قصة الإنسان المغربي الذي قاوم الألم بالصبر والكلمة.

