في بداية شهر مارس 2025، استضافت القاعدة الجوية الأولى للقوات الملكية الجوية في سلا، بالقرب من العاصمة الرباط، احتفالًا ذو أهمية استراتيجية كبيرة: الاستقبال الرسمي لأول دفعة من 6 طائرات هليكوبتر هجومية من طراز أباتشي AH-64E، وهي أولى شحنات طلبية إجمالية تضم 36 طائرة. ولإبراز أهمية الحدث، حضر الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (US AFRICOM)، الذي ظهر في الصورة أعلاه، برفقة إيمي كوترونا، القائم بأعمال السفارة الأمريكية في المغرب.
كتب : محمد العبوش
بعد زيارته في 2024 إلى الجنرال حفتر، خلص قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) إلى أن “سيد الحرب” الليبي لا يريد حلاً تفاوضيًا سواء مع طرابلس أو بنغازي. ومع ذلك، كان الجنرال الأمريكي مايكل لانغلي يطمح إلى استقرار منطقة الساحل، وإن أمكن بالتعاون مع المارشال حفتر بعد انسحاب القوات الفرنسية التي طردتها الحكومات العسكرية.
وفي حديثه مع الصحافة في سبتمبر 2024، تم سؤال قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا عن تطور الوضع الأمني في منطقة الساحل بعد انسحاب القوات الفرنسية والأمريكية. وأجاب الجنرال لانغلي بلا مواربة قائلاً: “بالنسبة لي، أصبحت منطقة الساحل أقل أمانًا”. وأضاف: “إنه ظاهرة اكتسبت حجمًا كبيرًا في المنطقة بأسرها ومن المحتمل أن تمتد إلى غرب أفريقيا الساحلية”.
ألم تقم فرنسا في يناير الماضي بإعادة قاعدة جوية لها في تشاد، آخر قاعدة لها في الساحل، حيث تخلت عن الدور الرائد الذي كانت تلعبه في تلك المنطقة لمواجهة تهديدات الجماعات الجهادية؟ إذًا، هو مقعد فارغ تنوي أفريكوم احتلاله في مواقع تم تحديدها بالفعل في جنوب المغرب وجنوب ليبيا.
المغرب: نقطة ارتكاز مميزة
في كلمته الأخيرة في المغرب، شدد الجنرال لانغلي على الدور الحاسم لطائرات الأباتشي الجديدة في البنية الدفاعية المغربية: “إن دمج هذه الطائرات يمثل تقدمًا كبيرًا في القدرات العملياتية، مما يعزز أمن المملكة وموقعها الجيوستراتيجي الإقليمي”. كما ذكر بمكانة المغرب المتميزة كحليف غير عضو في حلف الناتو للولايات المتحدة.
لقد نجح الجنرال الأمريكي في توجيه ضربة مزدوجة بحديثه عن المغرب كموقع استراتيجي رئيسي للتحكم في تغييرات منطقة الصحراء والساحل، دون الخوض في عودة الولايات المتحدة القوية إلى البحر الأبيض المتوسط. ومن الواضح أن إدارة ترامب تقلص الوجود العسكري في أوروبا التي تتعرض لتجدد التهديدات الروسية؛ لكن البنتاغون يعيد الاستثمار في البحر الأبيض المتوسط. فالأسطول الأمريكي يراقب إسرائيل ولبنان. من غير المقبول أن تهدد السفن الروسية هامش المناورة الأمريكي أو أن يتم تعطيله عند مضيق جبل طارق.
نهاية الجناح الجنوبي لحلف الناتو
يبدو أن الجناح الجنوبي لحلف الناتو، الذي كانت إسبانيا وإيطاليا تشكلان درعه، قد تم نسيانه لصالح الواجهة الأطلسية والبحر الأبيض المتوسط المغربية وما وراء الساحل. وقد أدرك الإسبان هذا جيدًا. فقد حللت الصحف الإسبانية “إل إندبندينتي” في 6 مارس و”لا راثون” في 7 مارس، المقربتان من الأوساط العسكرية والمحافظة، بسرعة تسليم طائرات الأباتشي إلى الرباط باعتبارها تحديًا استراتيجيًا لمدريد، مشيرة إلى ضعف إسبانيا في مجال الطائرات الهليكوبتر القتالية المزودة بالصواريخ.
وأكد الجنرال محمد بريظ، مفتش عام القوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، خلال حفل تسليم المعدات الجوية على بعد الشراكة : “إن وصول هذه الدفعة الأولى من طائرات أباتشي AH-64 يمثل خطوة حاسمة في تعزيز التحالف الاستراتيجي والتعاون العسكري بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية”. ومع ذلك، لم يكن هذا الاكتشاف جديدًا لمدريد، إذ كانت إمدادات هذه الطائرات القتالية جزءًا من استراتيجية أمريكية تهدف إلى “أفريقنة” البحر الأبيض المتوسط.
في الواقع، وكما كشفته الصحافة الإسبانية في 1 فبراير 2025، كان من المتوقع أن تقوم إدارة ترامب بنقل قيادة أفريكوم، التي تتخذ من شتوتغارت (ألمانيا) مقرًا لها، إلى مدينة القنيطرة المغربية. وقد تم إجراء تقييمات ميدانية بالفعل من قبل القوات الأمريكية.
في البداية، كانت قاعدة روتا الإسبانية من بين الخيارات، ولكن هذه البدائل أصبحت أقل أهمية مع تولي الإدارة الأمريكية الجديدة. في 4 فبراير 2025، كتبت صحيفة “إل إندبندينتي” عن تسليم طائرات F-35 الأمريكية إلى المغرب: “F-35، الأداة التي من خلالها تعزز الرباط تحالفها مع ترامب على حساب إسبانيا”. وأضافت الصحيفة: “لقد تعهد الرئيس الأمريكي بتكثيف العلاقات مع الرباط على حساب إسبانيا التي يلومها على ضعف نفقاتها العسكرية”.
الجيش الفرنسي في الحلقة
في وقت لاحق، تم التخطيط للمناورات العسكرية المشتركة الفرنسية-المغربية في سبتمبر 2025 في الرشيدية، بالقرب من الحدود الجزائرية. يندرج تمرين “شرقي” (المعروف سابقًا باسم “تافيلات”) في إطار تقليد طويل. ويعد هذا التمرين الجوي البري ذا أهمية كبيرة لكل من القوات المسلحة الملكية والجيش الفرنسي في تنسيق التكتيكات القتالية في بيئة صحراوية.
محور المغرب/إسرائيل/الإمارات
يستضيف التراب المغربي بانتظام تمارين عسكرية متعددة الجنسيات، بما في ذلك “الأسود الأفريقية”، واحدة من المناورات الأكثر أهمية في القارة الأفريقية، التي يتم تنظيمها بالشراكة بين القوات الأمريكية والمغربية. ستقام النسخة الـ 21 من هذه المناورة في الفترة من 12 إلى 23 مايو 2025 في عدة مدن: أكادير، طنجة، تيزنيت، القنيطرة، بن جرير وتفنيت.
تبدو إدارة ترامب عازمة على جعل المغرب شريكًا مميزًا في عودتها الهجومية إلى البحر الأبيض المتوسط، مع تسليم قريب لـ 32 طائرة مقاتلة شبحية من طراز F-35 Lightning II، مما قد يعلن عن تحالف استراتيجي يجمع واشنطن مع الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. هذه الصفقة، التي تقدر قيمتها بـ 17 مليار دولار، تشمل الاستحواذ والصيانة على مدى 45 عامًا. سيصبح المغرب، بذلك، أول دولة أفريقية وعربية تستفيد من هذه الطائرات المتطورة المصنعة من قبل لوكهيد مارتن، مما يعزز أسطوله من طائرات F-16 من الجيل الرابع.
في الختام، فإن التحديث الكبير في الترسانة العسكرية المغربية يتجاوز بوضوح مجرد الاحتياجات الدفاعية الوطنية أو التنافسات الإقليمية. نحن نشهد بزوغ نموذج جيوستراتيجي جديد يمتد تأثيره من البحر الأبيض المتوسط إلى الأطلسي، ويشمل المنطقة الصحراوية الساحلية.
في هذا السياق، سيكون المغرب، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، محور تحالف جديد خارج حلف الناتو مع الولايات المتحدة التي أصبحت أقل اهتمامًا بالمسرح الأوروبي. بالنسبة للولايات المتحدة، مع المغرب، فإن الأولوية الآن هي حل القضية الليبية، التصدي لروسيا، وضبط الدول الأعضاء في تحالف دول الساحل.
ينشر بالاتفاق مع “موند أفريك” www.mondafrique.com

