السنغال.. ماكي سال يترك المالية العامة في وضع حرج

ماكي سال

  بقلم إبراهيما دينغ من  داكار/ موند افريك

لم يناقش تقرير من محكمة الحسابات في السنغال بهذا القدر من التدقيق والتعليق من قبل الجميع. من المحتمل أن يعود هذا الاهتمام الكبير إلى حجم الأضرار والفوارق التي كشفت عنها أعلى جهة قضائية مالية في البلاد. وبالتفصيل، يشير التقرير إلى أن حجم الدين العام في الفترة بين 2019 و 2024 أعلى من المعلن في مستندات حسابات الدولة التي ورثها نظام ماكي سال.

الدين بلغ 99.67% من الناتج المحلي

وصل حجم الدين إلى 18,558.91 مليار فرنك أفريقي في 31 ديسمبر 2023، أي ما يعادل 99.67% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب ما أفادت به المحكمة. وهكذا، انتقل الدين من 7100 مليار فرنك أفريقي في 2019 إلى 11,800 مليار فرنك أفريقي في 2023. كما ارتفع الدين الداخلي، بما في ذلك الدين المصرفي، من 1893 مليار فرنك أفريقي في 2019 إلى 8000 مليار فرنك أفريقي.

ومن بين الفجوات الأخرى التي أشار إليها تقرير محكمة الحسابات، هو جمع نحو 2500 مليار فرنك أفريقي من البنوك دون أن تكون هذه المبالغ موجودة أو قابلة للتتبع في الحسابات العامة. كما أشار التقرير إلى وجود فجوة بمقدار 114 مليار فرنك أفريقي في دفعة تبلغ 247 مليار فرنك أفريقي في إطار “السوكوك” الذي تم في 2022.

وفي نفس يوم نشر التقرير، علق رئيس الجمهورية باسيرو ديوماي في اجتماع مجلس الوزراء على الوثيقة. وقال إنه تم اكتشاف تخصيصات غير منتظمة للإيرادات، مشيرًا إلى أن بعض الإيرادات تم تسجيلها في سنوات سابقة، مما أدي إلى تحريف واقع العجز في بعض السنوات. وأضاف أن هذا الوضع أسهم في التقليل من تقدير العجز المالي، مما تسبب في عدم التوازن في تقديم الحسابات العامة.

أما العجز المالي، فقد بلغ وفقًا لباسيرو ديوماي مستويات حرجية في السنوات الأخيرة، إذ ارتفع من 9.85% في 2019 إلى 9.17% في 2020، ثم إلى 11.47% في 2021، 12.65% في 2022، وأخيرًا 12.30% في 2023.

وأضاف أن هذه الزيادة السريعة في العجز تبرز الحاجة الماسة لإصلاحات هيكلية عاجلة للحد من هذا الاختلال المالي التاريخي. وأشار إلى أن هناك نفقات كبيرة، خصوصًا التي تم تمويلها من موارد خارجية، لم يتم تتبعها بشكل صحيح في المستندات المحاسبية والمالية. وقال: “هذا النقص في التتبع يخلق فجوات كبيرة في متابعة الميزانية ويؤثر سلبًا على شفافية العمليات المالية للدولة”.

وفي اليوم التالي لنشر تقرير محكمة الحسابات، نظم الحكومة مؤتمرًا صحفيًا حضره خمسة وزراء، بمن فيهم وزير المالية والميزانية شيخ ديبا. وقال إن من الضروري تصحيح جميع المخالفات بكل دقة وتصميم من أجل بناء نموذج جديد لإدارة المال العام، وهو ما يتطلب إصلاحات طموحة لضمان الاستدامة المالية.

وأضاف أن هناك خططًا لتحسين جودة المحاسبة والمعلومات المالية من خلال إنشاء نظام معلومات متكامل لإدارة المالية العامة يضمن رقابة أفضل على النفقات والتمويلات. كما سيساهم هذا التحديث في تحسين جودة وموثوقية البيانات المالية، وتسهيل الوصول إليها وضمان صدق الحسابات العامة.

سيتم أيضًا إجراء رقابة أكثر صرامة على المشاريع الممولة من الموارد الخارجية مع تعيين محاسب مسؤول عن متابعة هذه المشاريع. هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان رقابة صارمة وتحسين إدارة الالتزامات المالية للبلاد.

ثانيًا، سيركز الحكومة على تحديث ورقمنة إدارة المال العام. وثالثًا، ستستهدف الإصلاحات الهيكلية إعادة تنظيم الخدمات المعنية بإدارة الديون.

ستتم تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل تدريجي. إحدى التدابير الهامة التي اتخذتها الحكومة هي إدارة الديون من خلال مركزية وظائف التفاوض واستخدام وإدارة الديون العامة.

وفقا لشيخ ديبا، ستساعد هذه المركزية على تجاوز المشاكل المتعلقة بتوزيع المسؤوليات في إدارة الديون العامة، عبر جمع وظائف التفاوض، وجمع التمويلات، وإدارة الديون.

إلى جانب هذه الإصلاحات، يرى الخبير في السياسات العامة، عبدو كريم سوك، أنه من الضروري إنشاء هيئة عليا لتنظيم المال العام.

المعارضة تعتبرها مجهودًا شكليًا

بعد ساعة من المؤتمر الصحفي للحكومة، قامت حركة التحالف من أجل الجمهورية (APR) بتوجيه بيان لوسائل الإعلام الوطنية والدولية. وقدموا تعليقاتهم على تقرير محكمة الحسابات. وقال باب مالك ندور، وزير الشباب السابق، إن تحليل الدين الخارجي في التقرير لا يقدم عناصر جديدة، خصوصًا أن التقرير السابق لمحكمة الحسابات كان قد أشار إلى هذه الفوارق.

وأضاف أن هذه الفوارق كانت قد نسبتها المحكمة إلى وجود مشاكل في محاسبة إدارة الدين العام، وإدارة ترتيب النفقات العامة، والخزينة العامة. وأشار أيضًا إلى أن التقرير الذي أعدته وأقرته غرفة الشؤون المالية في محكمة الحسابات لم يبدِ أي تحفظات هامة بشأن الإيرادات والنفقات في الموازنة العامة.

أما بالنسبة لزميلته في الحزب، عائشة تال سال، وزيرة العدل والشؤون الخارجية السابقة، فقالت إن المعارضة لا تعترف بهذا التقرير لأنه لم يُوقع. “لا نعرف من كتب هذا التقرير ولا من يطالب بملكيته القانونية لأنه لم يُوقع. نحن نرفض هذا التقرير من حيث الشكل والمضمون والهدف”، كما قالت عائشة تال سال.

إعلانات بالملاحقات القضائية

على أي حال، جاء نشر هذا التقرير في وقتٍ تحتدم فيه المطاردة ضد الأموال المكتسبة بطرق غير شرعية. حيث تم توقيف موظف في الخزينة العامة، تاباكي نغوم، بتهمة اختلاس مبلغ 700 مليون فرنك أفريقي. وقبلها، تم حبس الوزير السابق ومدير عام اليانصيب الوطني السنغالي (لوناس)، لات ديوب، بتهمة اختلاس 5 مليارات فرنك أفريقي.

وفي آخر تقييم له، ذكر فريق التحقيق القضائي والمالي، الذي تم تشكيله في سبتمبر 2024، أنه قد عالج 87 قضية، وأوقف 162 شخصًا، واسترد 2.5 مليار فرنك أفريقي. حاليًا، يتعرض عضو البرلمان السابق فاربا نغوم، أحد المقربين من الرئيس ماكي سال، لضغوط قضائية، وقد تم استجوابه لأول مرة في 12 فبراير 2025.

سيتم استجوابه مرة أخرى في 27 فبراير 2025. وبالإضافة إلى فاربا نغوم، من المتوقع أن تُدرج أسماء العديد من الأشخاص الآخرين للملاحقة القضائية. وقال وزير العدل، عثمان ديانغ، إن تحقيقًا شاملاً سيُجري لتتبع الأموال غير المشروعة، وتحديد هوية جميع الجناة والمساعدين المزعومين تمهيدًا للملاحقات القانونية.

وأشار إلى أن “التحقيق في هذا التقرير كشف عن أن هناك مخالفات جسيمة يمكن أن تنطوي على العديد من الجرائم الجنائية مثل التزوير في الوثائق، والاحتيال على الأموال العامة، وغسل الأموال، والإثراء غير المشروع، والمساعدة في هذه الجرائم”.

هذا المقال ينشر بالاتفاق مع موند افريك www.mondafrique.com