من إعداد: الأستاذ عمر لمعلم
في المغرب، لا تكمن المفارقة في أننا ننتخب منذ أكثر من ستة عقود، وإنما في أننا ما زلنا، بعد كل هذه السنوات، نطرح الأسئلة نفسها تقريبا حول جدوى الانتخابات، وقوة البرلمان، وفعالية الأحزاب، ونزاهة العملية الانتخابية، وقدرتها على إنتاج أغلبية حكومية منسجمة ومعارضة قوية.
في سنة 1963، توجه المغاربة لأول مرة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أول برلمان بعد الاستقلال، وذلك بعد اعتماد أول دستور للمملكة سنة 1962. ومنذ ذلك التاريخ توالت الانتخابات، وتغيرت الدساتير والقوانين وأنظمة الاقتراع، وتبدلت خرائط الأحزاب والحكومات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا راكمنا فعلا بعد 63 سنة من الانتخابات التشريعية؟
ولعل الأرقام وحدها تعطينا مدخلا إلى هذا السؤال.
في انتخابات 2021، كان عدد المغاربة في سن التصويت حوالي 25.226 مليون شخص، بينما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.509 مليون، أي بنسبة تسجيل بلغت 69.4 في المائة. وهذا يعني أن حوالي 7.7 ملايين مواطن في سن التصويت لم يكونوا مسجلين أصلا في اللوائح. وكانت نسبة التسجيل لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة في حدود 33.6 في المائة فقط.
أما من المسجلين، فقد شارك في انتخابات 8 شتنبر 2021 حوالي 8.79 ملايين ناخب، بنسبة مشاركة بلغت 50.35 في المائة.
أي أننا أمام مسافة واسعة بين المواطن الذي بلغ سن التصويت، والمواطن المسجل، والمواطن الذي ذهب إلى صندوق الاقتراع. ثم تأتي مسألة الأصوات غير الصحيحة أو الملغاة، التي ينبغي أيضا أخذها بعين الاعتبار عند قراءة المشاركة.
هذه الأرقام لا تعني أن غير المسجلين كلهم مقاطعون، ولا أن كل من لم يصوت رافض للعملية السياسية. لكنها تجعل من الصعب التعامل مع العزوف باعتباره مجرد لامبالاة فردية. فمن بين ملايين المواطنين الذين يحق لهم التصويت، هناك من لا يسجل، ومن يسجل ولا يصوت، ومن يصوت لكنه لا يعبر بصوت صحيح.
وفي سنة 2026، أغلقت المراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية على رقم رسمي بلغ 15,801,162 مسجلا. لكن مقارنة هذا الرقم برقم 2021 تحتاج إلى حذر، لأن انخفاض عدد المسجلين لا يمكن تفسيره مباشرة بأنه تراجع في الرغبة في المشاركة، قبل معرفة أثر المراجعة والتشطيبات والتسجيلات الجديدة وباقي العوامل المؤثرة في تركيب اللوائح.
غير أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تكون سوى مدخل إلى تاريخ أطول.
بداية التجربة
انتخابات 1963 كانت محطة أساسية في بناء المؤسسات السياسية للمغرب المستقل. كان البرلمان آنذاك يتكون من مجلسين، وانتخب مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر، قبل أن تتغير صيغة البرلمان مع دستور 1970، فيتحول إلى غرفة واحدة، ثم تعرف المؤسسة التشريعية تحولات أخرى مع دستور 1972 وانتخابات 1977، وانتخابات 1984 و1993.
وفي سنة 1996 عاد المغرب إلى نظام البرلمان بغرفتين، وجاءت انتخابات 1997 في سياق سياسي مختلف، ارتبط لاحقا بتجربة التناوب الحكومي.
ثم جاءت انتخابات 2002 و2007، وانتخابات 2011 في سياق الحراك السياسي الذي عرفته المنطقة، وبعدها انتخابات 2016، وأخيرا انتخابات 2021.
ويبين أرشيف مجلس النواب أن هذه المسيرة عرفت ولايات تشريعية متعاقبة، وأن قواعد تشكيل البرلمان وطريقة انتخاب أعضائه تغيرت من مرحلة إلى أخرى.
لكن ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو أن المغرب لم يغير فقط الحكومات والبرلمانات، بل غير أيضا قواعد اللعبة الانتخابية مرات متعددة.
فمن الاقتراع المباشر وغير المباشر، إلى الاقتراع باللائحة، ثم تعديل الدوائر والقواعد التي توزع على أساسها المقاعد، ظل النظام الانتخابي موضوعا دائما للمراجعة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كان تغيير قواعد الاقتراع تعبيرا عن تطور طبيعي للتجربة، أم أنه كان في أحيان كثيرة محاولة لمعالجة اختلالات أفرزتها القواعد السابقة دون الوصول إلى صيغة مستقرة ومرضية للجميع؟
حين توقف البرلمان،
ولا يمكن قراءة تاريخ الانتخابات المغربية من دون التوقف عند مرحلة غابت فيها المؤسسة التشريعية نفسها.
فبعد أزمة 1965، أعلن الملك الحسن الثاني حالة الاستثناء في 7 يونيو، وتوقف العمل البرلماني خلال الفترة التي امتدت إلى 1970. ويشير تقرير حول التجربة البرلمانية المغربية إلى أن هذا التوقف، إلى جانب المرحلة التي أعقبت دستور 1972، جعل البرلمان لا يعمر فعليا خلال العقود الأولى إلا جزءا محدودا من الفترة الممتدة منذ تأسيسه.
ثم جاءت محاولة انقلاب الصخيرات سنة 1971، وبعدها محاولة انقلاب أوفقير سنة 1972، في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية.
وصدر دستور 1972، لكن الانتخابات التشريعية لم تعد إلا سنة 1977. وبذلك لم تكن تجربة البرلمان خلال تلك المرحلة متصلة ومستقرة بالمعنى الذي يسمح عادة بتراكم طويل للممارسة البرلمانية.
وهنا تطرح الذاكرة السياسية سؤالا لا ينبغي تجاوزه: كيف يمكن لمؤسسة أن تراكم تقاليدها وخبرتها وأعرافها، إذا كانت تتوقف في الفترات السياسية الحرجة؟
فالتراكم البرلماني ليس فقط نصوصا دستورية، وإنما هو أيضا ممارسة متواصلة، وتقاليد في التشريع والمراقبة، وعلاقة مستقرة بين الأغلبية والمعارضة، وخبرة تتوارثها الأجيال البرلمانية.
المقاطعة… حين يتحول عدم التصويت إلى موقف سياسي
تاريخ الانتخابات المغربية ليس تاريخ المشاركة وحدها. إنه أيضا تاريخ المقاطعة. لكن المقاطعة ليست هي نفسها عدم المشاركة.
قد يكون المواطن غير مشارك لأنه غير مهتم، أو لأنه فقد الثقة، أو لأسباب شخصية أو اجتماعية. أما المقاطعة فهي موقف سياسي معلن يدعو إلى عدم المشاركة، غالبا احتجاجا على شروط العملية الانتخابية أو على طبيعة النظام السياسي أو على عدم الاقتناع بجدوى المؤسسات.
وهناك حالة ثالثة أكثر دقة، تتمثل في تنظيم أو حزب يقرر عدم الترشيح وعدم المشاركة في المنافسة الانتخابية، لكنه لا يمنع منتسبيه من التصويت لفائدة من يرونهم جديرين بذلك.
وهذه الفروق مهمة، لأن تاريخ القوى السياسية المغربية عرف الحالات الثلاث بدرجات مختلفة.
ففي مراحل سابقة، أعلنت قوى سياسية مقاطعتها لانتخابات أو لاستفتاءات دستورية، وكان الموقف من المشاركة أحيانا جزءا من الخلاف السياسي داخل الحزب نفسه.
وفي انتخابات 1970، مثلا، قاطعت قوى من المعارضة الانتخابات، في سياق سياسي شديد التوتر، بينما شاركت الحركة الشعبية وبعض المرشحين المستقلين.
كما أن الاستفتاءات الدستورية كانت بدورها مجالا للمقاطعة والخلاف. وفي استفتاء دستور 1992، اختارت مكونات من الكتلة الديمقراطية عدم المشاركة، بينما اتخذ التقدم والاشتراكية موقفا مختلفا. ثم أدى الموقف من دستور 1996 إلى خلافات وتصدعات داخل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وانتهى جزء من ذلك المسار بتأسيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وهنا يتضح أن المقاطعة لم تكن دائما موقفا عابرا، وإنما كانت أحيانا جزءا من الصراع حول طبيعة الإصلاح السياسي نفسه.
هل كانت المقاطعة إيجابية أم سلبية؟
هذا السؤال لا ينبغي أن تكون له إجابة جاهزة.
فمن جهة، يمكن النظر إلى المقاطعة باعتبارها وسيلة احتجاج سياسي، خصوصا عندما تكون القوى المقاطعة مقتنعة بأن المشاركة ستمنح الشرعية لمسار لا توافق عليه.
ومن جهة أخرى، يمكن القول إن المقاطعة، حين تطول وتتحول إلى موقف دائم، قد تترك المؤسسات لمن يشارك، وتحرم القوى المعارضة من إمكانية التأثير من داخلها، وقد تضعف التراكم المؤسساتي الذي تحتاجه الديمقراطية.
وهنا تظهر المفارقة:
قد تكون المقاطعة موقفا سياسيا مشروعا، لكنها لا تحقق دائما النتيجة السياسية التي يريدها أصحابها.
فإذا قاطعت قوة سياسية الانتخابات لأنها تريد تغيير قواعد اللعبة، ثم تركت المجال لقوى أخرى لتحتل المؤسسة المنتخبة، فقد تكون قد حافظت على نقاء موقفها، لكنها تكون في الوقت نفسه قد خسرت موقعا كان يمكن أن تستعمله للضغط والمراقبة والتأثير.
وهذا لا يعني أن المشاركة أفضل دائما من المقاطعة، وإنما يعني أن النتائج السياسية للمقاطعة تحتاج إلى تقييم تاريخي، لا إلى حكم أخلاقي مسبق.
اليسار… من وضوح الخلاف إلى ضبابية المشهد:
كان المشهد السياسي المغربي في مراحل سابقة، رغم صراعاته وانقساماته، أكثر قابلية للقراءة.
كانت هناك قوى وطنية قريبة من اليسار، وأحزاب يسارية ذات توجهات أكثر جذرية، وأحزاب تقدم نفسها باعتبارها ليبرالية أو محافظة، وإن كانت البرامج والخطوط السياسية لا تكون دائما واضحة بالقدر نفسه.
ثم بدأت الحركات الإسلامية تدخل تدريجيا إلى المشهد السياسي، وتتحول إلى فاعل له حضوره وخطابه.
وكان الخلاف السياسي في مراحل كثيرة مرتبطا بقضايا كبرى: موقع الملكية، طبيعة الديمقراطية، الدستور، الحريات، الاقتصاد، العدالة الاجتماعية، الوحدة الترابية، وموقع المغرب في محيطه.
أما اليوم، فقد اختلطت الحدود بين كثير من هذه الاتجاهات.
أحزاب كانت في المعارضة أصبحت في الحكومة، وأخرى انتقلت من الحكومة إلى المعارضة، وتحالفات تجمع قوى لم يكن من السهل تصور اجتماعها في السابق، فيما أصبح من الصعب أحيانا على المواطن أن يميز الفروق البرامجية الحقيقية بين عدد من الأحزاب.
لا يتعلق الأمر بالقول إن الماضي كان مثاليا. لم يكن كذلك، وكان مليئا بالصراعات والانقسامات والمواقف المتناقضة.
لكن الفرق أن الخريطة السياسية كانت، في كثير من مراحلها، أكثر قابلية للفهم.
أما اليوم، فقد تراجعت الفوارق الفكرية والبرامجية، وحل محلها في أحيان كثيرة التنابز والمزايدات والهجوم المتبادل، بينما تراجع الخطاب الذي يحمل مشروعا سياسيا واجتماعيا واضحا.
من أحزاب المعارضة إلى ما يسمى بأحزاب الإدارة:
ومن الظواهر التي رافقت التاريخ الانتخابي المغربي الحديث ما عرف في الخطاب السياسي بظاهرة أحزاب الإدارة.
وهو وصف أطلقه خصوم بعض الأحزاب على تنظيمات اعتبروها قريبة من الدولة أو مستفيدة من قربها من الإدارة، وهو وصف سياسي يحتاج، في كل حالة، إلى تحديد المقصود به وإلى التمييز بين الخطاب السياسي والوقائع المثبتة.
لكن وجود هذا الخطاب نفسه يستحق التوقف.
فحين تشارك قوى سياسية في الانتخابات وهي تشك في تكافؤ شروط المنافسة، وتختار المقاطعة، بينما تشارك قوى أخرى وتستفيد، في نظر خصومها، من قربها من دوائر القرار، فإن النقاش لا يعود فقط حول نتائج الانتخابات، وإنما حول طبيعة البيئة السياسية التي تنتج تلك النتائج.
وهنا تتقاطع ظاهرة المقاطعة مع مسألة الثقة في المؤسسات.
الحركة الأمازيغية وموقفها من المشاركة:
ولا يمكن أن يكتمل تاريخ المقاطعة الانتخابية من دون الإشارة إلى الحركة الثقافية الأمازيغية ومكونات منها التي اختارت، في مراحل مختلفة، الدعوة إلى عدم المشاركة في الانتخابات.
وكانت لهذه المواقف أسبابها الخاصة، المرتبطة في جانب منها بمكانة الأمازيغية في الدولة والمجتمع، وبالتمثيلية السياسية، وبما اعتبرته بعض مكونات الحركة غيابا لشروط المشاركة التي تراها ضرورية.
وهذا مهم لأنه يبين أن المقاطعة لم تكن دائما حكرا على اليسار أو المعارضة الحزبية، بل أصبحت في مراحل معينة تعبيرا عن مطالب ثقافية وهوياتية وحقوقية أيضا.
ومع الوقت أصبح خطاب المقاطعة أكثر تنوعا: من المقاطعة احتجاجا على طبيعة النظام السياسي، إلى المقاطعة احتجاجا على قواعد المنافسة، إلى المقاطعة رفضا للأحزاب، ثم إلى عزوف فردي واسع لا يحتاج أصلا إلى قرار تنظيمي.
وهنا ننتقل من المقاطعة السياسية المنظمة إلى العزوف الاجتماعي والسياسي.
من الانتخابات إلى الفرجة الانتخابية:
الحملة الانتخابية يفترض أن تكون مناسبة لتقديم البرامج ومناقشة الاختيارات الكبرى للبلاد.
لكن كثيرا ما يتحول المشهد إلى صور وشعارات وتجمعات ولافتات ووعود، بينما تتراجع البرامج الدقيقة والقابلة للقياس.
المشكلة ليست في وجود الشعارات، فالسياسة تحتاج إلى شعارات تختصر المشاريع. المشكلة حين يصبح الشعار بديلا عن المشروع، والوعد بديلا عن البرنامج، وحين يقدم المرشح وعودا لا تدخل أصلا في نطاق صلاحياته أو يعرف مسبقا صعوبة تنفيذها.
وعندما يتكرر ذلك، يصبح المواطن أكثر ميلا إلى الاعتقاد بأن الحملة الانتخابية مجرد مرحلة من مراحل الفرجة السياسية، تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وهنا تتضرر السياسة نفسها، لأن الانتخابات تفقد شيئا من معناها إذا لم يعد المواطن يصدق أن البرنامج الانتخابي يمثل عقدا سياسيا قابلا للمحاسبة.
المال والسلطة والنزاهة:
من أكثر الملفات حساسية في الانتخابات المغربية مسألة المال الانتخابي، وعلاقة بعض المرشحين بالسلطة، ومدى حياد الإدارة.
ولا يمكن التعامل مع هذه القضايا بمنطق التعميم.
فليس كل اتهام دليلا، وليس كل شكاية حكما، وليس من الصحيح القول إن العملية الانتخابية برمتها خاضعة للمال أو النفوذ.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل ما يرد في تقارير الملاحظة المستقلة.
ففي انتخابات 2021، سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بناء على ملاحظته للحملة الانتخابية، ادعاءات مرتبطة باستعمال هبات نقدية وعينية لاستمالة الناخبين، كما سجل حالات توقيف أشخاص على خلفية توزيع هبات نقدية وعينية. وفي الوقت نفسه أكد المجلس أنه لم يتمكن من التحقق من صحة بعض التسجيلات التي توصل بها.
كما سجل المجلس في يوم الاقتراع حالات لم يتم فيها التحقق من هوية الناخب، ومحاولات لانتحال صفة ناخبين، إلى جانب ملاحظات أخرى تتعلق بسير بعض مكاتب التصويت.
هذه المعطيات لا تسمح لنا بإطلاق حكم شامل على الانتخابات، لكنها تسمح بطرح السؤال حول مدى توفر كل شروط المنافسة النزيهة وتكافؤ الفرص.
وينطبق الأمر نفسه على ما يتردد أحيانا بشأن التلاعب في المحاضر، أو إضافة أصوات لفائدة بعض اللوائح، أو التصويت أكثر من مرة.
البرلمان، النص شيء والممارسة شيء آخر:
منذ دستور 1962 تغير موقع البرلمان داخل النظام الدستوري المغربي، وتطورت صلاحياته عبر الدساتير المتعاقبة.
وجاء دستور 2011 ليؤكد بشكل واضح أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية. كما منح المعارضة حقوقا في التشريع والرقابة، وأتاح آليات متعددة لمساءلة الحكومة.
هذه التطورات مهمة ولا ينبغي التقليل منها. لكن المواطن لا يقيس المؤسسة التشريعية بعدد الصلاحيات الموجودة في النص فقط. هو ينظر إلى النقاش داخل البرلمان، وإلى مستوى التشريع، وإلى طبيعة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة، وإلى قدرة النواب على التأثير في السياسات العمومية، وإلى قوة المعارضة، وإلى ما إذا كان البرلمان قادرا فعلا على مساءلة الحكومة ومحاسبتها.
وهنا تظهر الفجوة التي تستحق النقاش بين الصلاحية الدستورية والممارسة السياسية.
فقد تكون المؤسسة تملك صلاحيات واسعة على الورق، لكن أثرها العملي لا يكون دائما في مستوى تلك الصلاحيات.
الحكومة التي تتغير ولا يتغير معها الكثير:
ومن زاوية المتتبع، يمكن طرح سؤال آخر أكثر جرأة:
لماذا يبدو للمواطن أحيانا أن الحكومات تتغير، والأحزاب المشاركة فيها تتغير، لكن السياسات العامة لا تتغير بالقدر الذي يتوقعه من الانتخابات؟
قد يكون جزء من الجواب مرتبطا بتداخل الصلاحيات والمؤسسات، وبطبيعة النظام السياسي، وبالتوازنات التي تتحرك داخلها الحكومة. وقد يكون مرتبطا أيضا بضعف البرامج الحزبية قبل الانتخابات. فالحزب الذي يدخل الحكومة يفترض أن يدخل إليها حاملا جزءا من برنامجه وتصوراته، وأن يسعى إلى إقناع شركائه بها.
لكن الواقع قد يؤدي إلى العكس: يدخل الحزب الحكومة، ثم يجد نفسه مضطرا إلى مراجعة جزء من مواقفه حتى ينسجم مع توجهات الأغلبية الحكومية والاختيارات العامة القائمة.
وهكذا قد يشعر المواطن بأن الحزب لم يدخل الحكومة ليغيرها، وإنما دخلها لكي يتكيف معها.
وإذا تكرر الأمر مع الحكومات المتعاقبة، فقد تتولد لدى المواطن فكرة أكثر خطورة: الحكومات تتغير، لكن أداءها لا يتغير.
المعارضة التي تعارض كل شيء:
الأمر نفسه يمكن أن يطرح بالنسبة إلى المعارضة. المعارضة في النظام الديمقراطي ليست مطالبة برفض كل ما تفعله الحكومة. وظيفتها أن تراقب، وأن تنتقد، وأن تكشف الاختلالات، ولكن أيضا أن تقول للمواطن ما الذي ستفعله هي لو كانت في موقع المسؤولية. أما عندما يصبح الانتقال من الحكومة إلى المعارضة مصحوبا بتغير المواقف نفسها لمجرد تغير الموقع، فإن المصداقية السياسية تتضرر.
فالموقف السياسي الذي كان صحيحا عندما كان الحزب في الحكومة لا ينبغي أن يصبح خطأ بمجرد انتقاله إلى المعارضة. والمعارضة القوية ليست التي تهاجم الحكومة في كل شيء، وإنما التي تستطيع أن تقول، هذا القرار نرفضه، وهذا القرار ندعمه، وهذا ما اقترحناه عندما كنا في الحكومة، وهذا ما سنغيره إذا عدنا إليها. أما إذا أصبحت المعارضة مجرد نقيض للأغلبية في كل شيء، فقد تتحول هي الأخرى إلى جزء من أزمة الثقة في السياسة.
أين هو التراكم؟
وهنا نعود إلى السؤال الأول، بعد 63 سنة، لا يمكن القول إن المغرب لم يراكم شيئا. لقد راكم دساتير، وانتخابات، وبرلمانات، وأحزابا، وحكومات، وتجارب سياسية، وتعديلات في القوانين، وتطورات في تمثيلية النساء، وآليات جديدة للمراقبة والملاحظة.
لكن هل هذا التراكم إيجابي ومتصل؟ هنا يمكن أن يكون الجواب أقل اطمئنانا.
فقد يكون المغرب راكم مؤسسات، لكنه لم يراكم دائما بالقدر نفسه الثقة في هذه المؤسسات.
وربما راكم نصوصا قانونية ودستورية أكثر مما راكم ممارسة برلمانية قوية.
وربما ازداد عدد الأحزاب أكثر مما ازدادت وضوحا الفوارق بينها.
وربما تغيرت الحكومات أكثر مما تغيرت طبيعة العمل الحكومي.
وربما أصبحت الحملات الانتخابية أكثر تنظيما، لكن المواطن لم يصبح أكثر اقتناعا بجدوى المشاركة.
بل إن السؤال الأكثر إزعاجا هو:
هل نحن أمام تراكم بطيء، أم أمام تراجع بطيء؟ ماذا نحتاج اليوم؟
ربما لا يحتاج المغرب إلى تغيير نظام الاقتراع كل مرة بقدر ما يحتاج إلى إعادة السياسة إلى الانتخابات. نحتاج إلى أحزاب يعرف المواطن موقعها السياسي وبرامجها، لا إلى أحزاب لا يميز بينها إلا الأسماء والرموز. نحتاج إلى برامج قابلة للقياس، حتى يستطيع المواطن بعد خمس سنوات أن يسأل، ماذا تحقق مما وعدتمونا به؟
نحتاج إلى برلمان يشعر المواطن بأنه مؤسسة حقيقية للتشريع والمراقبة، لا مجرد محطة لإنتاج الأغلبية الحكومية.
نحتاج إلى معارضة قوية، ولكن أيضا مسؤولة، تعرف كيف تنتقد وكيف تقترح.
نحتاج إلى انتخابات يثق المواطن في شروطها، من التسجيل في اللوائح إلى الحملة والاقتراع والفرز وإعلان النتائج.
ونحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر المواطن بأن صوته له معنى.
فالمشاركة لا تفرض بالقوانين ولا بالشعارات.
المواطن يشارك عندما يعتقد أن مشاركته يمكن أن تحدث فرقا.
63 سنة… والسؤال ما زال مفتوحا
منذ أول انتخابات تشريعية سنة 1963، قطع المغرب مسافة طويلة. لكن طول المسافة لا يعني بالضرورة أن الوصول كان بعيدا بالقدر نفسه. لقد تغيرت الدساتير، وتغيرت القوانين، وتغيرت أنظمة الاقتراع، وتعددت الأحزاب، وتعاقبت الحكومات والبرلمانات، وظهرت المعارضة واختفت أخرى، وشارك البعض وقاطع البعض الآخر.
لكن إذا كان جزء مهم من المواطنين ما زال لا يرى في الانتخابات وسيلة حقيقية لتأهيل الحياة السياسية، وإذا ظل البرلمان موضع سؤال حول فعاليته، وإذا ظلت المعارضة ضعيفة أو متقلبة المواقف، وإذا بقيت البرامج الانتخابية في كثير من الأحيان أقرب إلى الشعارات منها إلى الالتزامات القابلة للمحاسبة، وإذا استمرت الشكوك حول المال الانتخابي وتكافؤ الفرص، فإن علينا أن نقف ونسأل بصدق:
ماذا راكمنا فعلا؟
ربما يكون الجواب أننا راكمنا تجربة انتخابية طويلة، لكننا لم نراكم بعد، بالقدر الكافي، ثقافة سياسية تجعل الانتخابات وسيلة حقيقية لإنتاج حكومة منسجمة، وبرلمان قوي، ومعارضة فعالة، ومواطن واثق من قيمة صوته.
وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة:
ليس أن نذهب إلى الانتخابات مرة أخرى، وإنما أن نجد سببا يجعل المواطن يرغب في الذهاب إليها.
لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المرات التي تفتح فيها صناديق الاقتراع، وإنما بما تتركه تلك الصناديق من أثر في السياسة، وفي المؤسسات، وفي حياة المواطن.
وبعد 63 سنة من الاقتراع، يبقى السؤال مفتوحا:
هل ما زلنا نبني التراكم، أم أننا بدأنا نفقد ما راكمناه؟

