أسماء زروق
أعاد الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش ترتيب أولويات الدولة للمرحلة المقبلة، وذلك في سياق يتسم بتعقيدات اجتماعية واقتصادية وتحديات إقليمية متزايدة، وبين تأكيد على استمرار المشاريع الاستراتيجية الكبرى، والتنبيه إلى الحاجة لتجديد الممارسة السياسية، والدعوة إلى تجاوز الجمود مع الجارة الجزائر، رسم الخطاب معالم توازن مطلوب بين الشرعية التنموية والمشروعية السياسية.
نهضة اقتصادية بفجوة مجالية
الملك محمد السادس شدد في مستهل خطابه على الحصيلة الاقتصادية الإيجابية، خاصة في القطاعات الصناعية الحديثة، حيث تضاعفت صادرات المملكة بين 2014 و2024، وحققت قطاعات السيارات والطائرات والطاقات المتجددة قفزات نوعية، فضلاً عن تنامي جاذبية الاستثمار والسياحة.
غير أن هذه الإشادة لم تَخلُ من تنبيه واضح إلى تحديات العدالة المجالية، حيث أشار جلالته إلى أن التنمية يجب أن تشمل جميع المواطنين، وألا تُختزل في الأرقام والمؤشرات، مما اعتبره المراقبون قطعاً مع النموذج السابق الذي كان أحياناً يُراكم الثروات دون أثر ملموس في بعض المناطق.
الخبير الاقتصادي رشيد ساري، وفي تصريح لإذاعة “كاب راديو”، أكد أن الخطاب الملكي أشار بوضوح إلى إشكالية “مغرب بسرعتين”، مشيرا إلى أنه “رغم الطفرة الصناعية، إلا أن هناك جهات لا تزال تعاني الهشاشة والفقر، الملك تحدث عن الفقر متعدد الأبعاد، الذي تراجع فعلا من 11.9% إلى 6.8%، لكنه أشار بوضوح إلى أن هذا غير كاف، وأن الحل يكمن في العدالة المجالية، وفي تفعيل الجهوية المتقدمة التي ينبغي أن تلعب دورا تضامنيا وتنمويا كاملا”.
ساري أضاف أن الدعوة الملكية تؤسس لرؤية جديدة تجعل من خصوصية كل جهة نقطة انطلاق لتنمية محلية منسجمة مع النموذج التنموي الجديد، مشددا على أن “الرسالة واضحة: لا وجود لمغرب نافع وغير نافع، بل مغرب موحد بتنمية مندمجة تشمل الجميع”.
تأطير جديد للحياة الحزبية
أحد أبرز محاور الخطاب الملكي تمثل في دعوة وزارة الداخلية إلى إطلاق مشاورات مع الأحزاب السياسية بشأن الإصلاحات الانتخابية قبل نهاية السنة، في أفق استحقاقات 2026، وهو ما قرأه المحللون كدعوة ملكية صريحة لتجديد قواعد اللعبة السياسية واستعادة ثقة المواطن.
الدكتور حسن الخطابي، أستاذ العلوم السياسية، رأى أن الخطاب الملكي يميز بوضوح بين “حوار من أجل التخليق” و”حوار أنظمة”، وأشار إلى أن “الدعوة إلى الحوار حول المنظومة الانتخابية ليست كما هو الحال في دول الجوار التي تعيد طرح طبيعة النظام السياسي نفسه، بل هي دعوة لتجويد العملية الانتخابية وتأهيل الفاعلين”.
وأضاف في تصريحه لـ”كاب راديو” أن: “الأزمة ليست في القوانين، فهي قوانين تنظيمية محترمة، بل في السلوك السياسي، نحتاج إلى تربية سياسية، وتأطير حزبي حقيقي، الأحزاب، مع الأسف، لا تمارس دورها التأطيري المنصوص عليه في الدستور، بل تتحول إلى دكاكين موسمية تفتح أبوابها فقط عند اقتراب الانتخابات”.
الخطابي اعتبر أن الخطاب يعكس حرصا ملكيا على “ترشيد الحياة السياسية وإعداد نخب جديدة قادرة على مواكبة المتغيرات”، وهو ما يعني تجديد الثقة في المؤسسات وليس فقط تنظيم انتخابات.
استمرار سياسة اليد الممدودة
في ملف العلاقات الثنائية مع الجزائر، جدد الملك محمد السادس دعوته إلى تجاوز القطيعة، وفتح الحدود، وتطبيع العلاقات على أسس الحوار المباشر، بعيدا عن الوساطات الأجنبية، حيث جاء في الخطاب ” كما نؤكد تمسكنا بالاتحاد المغاربي، واثقين بأنه لن يكون بدون انخراط المغرب والجزائر، مع باقي الدول الشقيقة”.
عبد الفتاح الفاتيحي، مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية، اعتبر في تصريحه لـ”كاب راديو” أن الرسالة موجهة بوضوح إلى النظام الجزائري، وقال “الخطاب يُذكر بأن المغرب يتبنى سياسة ثابتة مبنية على اليد الممدودة، بعيدا عن التشنج، الملك يدعو إلى حوار ثنائي خال من الوساطات والتدخلات، ويذكر بأن الشعبين الشقيقين ضيعا فرصا تنموية مهمة بسبب الجمود”.
وأكد الفاتيحي أن خطاب العرش يحمل نداء صريحا للجزائر مشيرا إلى أن “الرسالة الملكية موجهة إلى قادة الجزائر: لا غالب ولا مغلوب، فلنجلس إلى طاولة الحوار لبناء مغرب كبير فاعل، يخدم شعوب المنطقة بدل استمرار الهدر السياسي”.
الصحراء والشرعية الدولية
الخطاب الملكي توقف عند قضية الصحراء المغربية، مؤكدا ارتياح المغرب للدعم الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي، ومشيدا بمواقف دول وازنة مثل المملكة المتحدة والبرتغال، التي انضمت إلى قائمة الدول الداعمة لوحدة المغرب الترابية. حيث قال الملك “ومن جهة أخرى، فإننا نعتز بالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، كحل وحيد للنزاع حول الصحراء المغربية”.
عبد الفتاح الفاتيحي أوضح أن “الخطاب جاء في سياق متغيرات دولية مهمة، تعزز موقف المغرب. هناك عواصم دولية مؤثرة أصبحت تعتبر الحكم الذاتي خيارا واقعيا وذا مصداقية، وهو ما يؤشر على نجاح المقاربة الدبلوماسية التي تتسم بالهدوء والواقعية”.
وشدد على أن الخطاب لا يكتفي بتأكيد المكتسبات، بل يوجه رسائل إلى الداخل المغاربي أيضا، قائلا “الملف لا يقفل خارجيا فقط، بل داخليا أيضا، الملك يربط بين استكمال السيادة وتحقيق التنمية في الأقاليم الجنوبية، مما يجعل من مشروع الحكم الذاتي أساسا لتسوية عادلة ومستقرة”.

