إذا كان التاريخ هو مسرح الصراع بين القوى الاجتماعية، فإن إنتاج المعرفة الدينية لم يكن يومًا بمنأى عن هذا الصراع. إن الحديث، باعتباره نصًّا تراكميًا نشأ في سياق اجتماعي وسياسي محدد، لم يكن سوى انعكاس لتوازنات القوى التي حكمت مسار التاريخ الإسلامي. ومن هنا، فإن تناقض الأحاديث وتضاربها، في حين بقي النص القرآني ثابتًا، ليس مجرد إشكال فقهي أو علمي محض، بل هو تعبير عن دينامية السلطة والمعرفة، عن التلاعب والتوجيه الأيديولوجي الذي خضع له النص الديني منذ اللحظة التي أصبح فيها الدين أداة للهيمنة.
القرآن، الذي يقدم نفسه كنص متسق ومنسجم، وضع معيارًا واضحًا للحكم على مصداقية أي خطاب ديني: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء: 82). هذا النص القرآني يضع قاعدة صارمة في التمييز بين الوحي الصافي وبين الخطاب الديني الذي ينتجه البشر، فالتناقض دليل على التدخل البشري، على التلاعب، على أن النص لم يعد نصًّا سماويًا خالصًا، بل صار رهينةً لأيديولوجيات السلطة والخلاف السياسي والاجتماعي.
إن الحديث، بخلاف القرآن، لم يُدوّن إلا بعد عقود من وفاة النبي، وهي الفترة التي شهدت تحولات كبرى في بنية المجتمع الإسلامي، حيث تصاعدت الصراعات الطبقية والقبلية، وتحولت الدولة من مشروع قائم على الشورى إلى سلطة استبدادية بيد الطبقة الأموية الحاكمة. في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن تظهر أحاديث متناقضة، بعضها يعزز سلطات الحكام، وأخرى تخدم طموحات تيارات سياسية ودينية مختلفة. فهل يمكن لعاقل أن يتجاهل أن بعض الأحاديث جاءت لتبرير شرعية الأسر الحاكمة؟ كيف يمكن تفسير وجود أحاديث تمجد الطاعة المطلقة للحاكم، حتى وإن كان ظالمًا، في حين أن هناك أحاديث أخرى تدعو إلى مقاومة الجور والاستبداد؟ هذا التناقض ليس بريئًا، بل هو انعكاس واضح لصراع المصالح والقوى.
من هنا، فإن محاولة علماء أصول الفقه تبرير هذه التناقضات بالنسخ أو بضعف السند ليست سوى مناورة أيديولوجية تهدف إلى إنقاذ التراث من التآكل أمام منطق العقل. إن مفهوم النسخ، الذي يقدَّم كحل لهذه التناقضات، ليس إلا اعترافًا ضمنيًا بوجود خلل جوهري، إذ كيف يعقل أن يأتي نص في زمن ما ثم يتم نسخه لاحقًا، بينما الأصل أن يكون الوحي كاملًا منذ البداية؟ أما القول بأن بعض الأحاديث موضوعة أو ضعيفة، فهو أيضًا محاولة للتنصل من مسؤولية الاعتراف بأن الحديث في مجمله لم يكن سوى ميدانًا للتلاعب السياسي والإيديولوجي، وأن غربلته ليست مجرد مسألة علمية بحتة، بل هي في الحقيقة إعادة تشكيل لخطاب السلطة.
وفي المقابل، فإن التيارات الإصلاحية التي تدعو إلى إعادة النظر في حجية الحديث الظني حين يتعارض مع القرآن أو العقل، وإن كانت تبدو أكثر تقدمًا، إلا أنها تظل محصورة في إطار جدل تقليدي لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها المؤسسة الدينية. فهذه التيارات، بدلًا من تفكيك المنظومة برمتها، تحاول ترقيعها عبر طرح انتقائي للنصوص، وكأن المشكلة ليست في وجود سلطة دينية تحتكر التأويل، بل فقط في بعض النصوص التي يمكن غربلتها وفق معايير عقلانية.
لكن السؤال الجوهري هنا: لماذا لم يشهد النص القرآني نفس هذا التناقض؟ لماذا لم يظهر فيه هذا التضارب الذي نراه في الحديث؟ الجواب واضح: لأن القرآن لم يكن خاضعًا لذات الظروف التي أنتجت الحديث، بل كان نصًا تم تثبيته وإغلاقه مبكرًا قبل أن تتمكن السلطة السياسية من التلاعب به. أما الحديث، فقد بقي مفتوحًا لعقود، ما جعله عرضة لكل أنواع التوظيف، بدءًا من الصراعات المذهبية، وصولًا إلى محاولات شرعنة الحكم المطلق.
وهنا تتجلى بوضوح خطورة الأحاديث التي استخدمت لضرب جوهر القيم القرآنية، فبينما يدعو القرآن إلى العدالة والمساواة: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13)، نجد أحاديث تعزز التمييز الطبقي والقبلي، كحديث “الأئمة من قريش”، الذي لم يكن سوى وسيلة لإضفاء شرعية على احتكار قريش للسلطة السياسية. وبينما يرسّخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة: 256)، نجد أحاديث تكرّس عقوبة القتل للمرتد، مما يتناقض بشكل صارخ مع قيم الحرية الفردية التي أكدها النص القرآني.
إن الإصرار على التمسك بالأحاديث المتناقضة، رغم وضوح تعارضها مع القرآن، ليس سوى امتداد لمشروع الهيمنة الأيديولوجية الذي تسعى المؤسسة الدينية إلى ترسيخه. فهذه المؤسسة، التي نشأت وتطورت في كنف الاستبداد السياسي، لا يمكنها أن تسمح بنقد جذري للبنية التقليدية، لأن ذلك يعني انهيار سلطتها. من هنا نفهم لماذا يتم الدفاع المستميت عن منظومة الحديث، رغم كل تناقضاتها، ولماذا يتم تصوير أي محاولة للتفكير النقدي على أنها تهديد للإسلام نفسه، بينما الحقيقة أن التهديد الحقيقي هو في استمرار هذه القراءات المتكلسة التي تجعل الدين رهينة لفهم بشري متخلف.
إن الصراع حول الحديث ليس صراعًا علميًا أو فقهيًا بقدر ما هو صراع على السلطة، على من يمتلك الحق في تأويل الدين والتحكم في وعي الجماهير. ولهذا، فإن أي مشروع تحرري حقيقي لا يمكن أن يظل حبيس الخطاب الإصلاحي التقليدي، بل يجب أن يتبنى تفكيكًا جذريًا لهذه البنية التي كرّست التناقضات داخل الفكر الإسلامي، وجعلته عاجزًا عن الانخراط في مسار الحداثة والتحرر. فالرهان هنا ليس مجرد تصحيح بعض المفاهيم أو مراجعة بعض النصوص، بل هو رهان على تحرير العقل من سلطة التراث المتحجر، وإعادة بناء وعي جديد لا يخضع لإملاءات الماضي، بل يتأسس على قيم العقل والحرية والعدالة.
الحسيمة، أبوعلي بلمزيان.

