مجلس المنافسة يدق ناقوس الخطر: قطاع توزيع الأدوية بالمغرب يعاني من “هشاشة بنيوية”

أصدر مجلس المنافسة أمس الاثنين، رأيا جديدا، شمل هذه المرة وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية بالمغرب.

وكشف المجلس عن اختلالات اقتصادية وتنظيمية عميقة تهدد استدامة قطاع الصيدلة وتوزيع الجملة، رغم النمو الذي يشهده السوق الوطني. الرأي قدم تشخيصا لواقع القطاع واقترح خارطة طريق للخروج من عنق الزجاجة.

وأفاد أن حجم سوق الأدوية في المغرب بلغ نحو 25.9 مليار درهم سنة 2024، محققا نموا بنسبة 9.6% مقارنة بالسنة السابقة. ورغم هذا الانتعاش الظاهري، فإن الواقع الميداني للصيدليات يعكس صورة مغايرة، حيث كشفت المعطيات أن 70% من الصيدليات في المغرب تحقق رقم معاملات سنويا يقل عن 1.2 مليون درهم، مما يجعلها في حالة هشاشة اقتصادية مستمرة.

ويعود هذا التدهور، حسب المجلس، إلى نموذج التعويض المالي الذي يعتمد حصرا على هامش الربح المرتبط بسعر الدواء. ومع سياسة الدولة الرامية لتخفيض أسعار الأدوية، تراجعت مداخيل الصيادلة والموزعين تلقائيا، في وقت تشهد فيه تكاليف الاستغلال (أجور، كراء، ضرائب) ارتفاعا مستمرا.

على مستوى التوزيع بالجملة، سجل المجلس وجود 66 مؤسسة موزعة، إلا أن 6 مجموعات فقط تسيطر على 84% من حصص السوق، وهو ما يشير إلى درجة تركيز مرتفعة نسبيا. الموزعون بالجملة يعانون بدورهم من ضغوط مالية خانقة بسبب “آجال الأداء”، حيث يضطر الموزع للوفاء بالتزاماته تجاه المختبرات في آجال قصيرة، بينما تتأخر الصيدليات في الأداء لمدد تتجاوز أحيانا 100 يوم، مما حول الموزعين إلى ما يشبه “الوكالات البنكية” لتمويل الصيدليات المتعثرة.

سجل التقرير مفارقة في التوزيع المجالي، فالمغرب سجل كثافة صيدلانية تفوق توصيات منظمة الصحة العالمية، حيث توجد صيدلية لكل 2600 نسمة (المعدل العالمي الموصى به هو صيدلية لكل 5000 نسمة). ومع ذلك، يتركز 45% من هذه الصيدليات في محور الدار البيضاء و الرباط، مما يخلق منافسة شرسة في المدن الكبرى، بينما تعاني المناطق القروية والنائية من ضعف في التغطية.

انتقد المجلس البطء في معالجة ملفات “الإذن بالعرض في السوق” (AMM)، حيث يستغرق الحصول على الرخصة ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات. كما أشار إلى أن القوانين الحالية تمنح “حماية” مبالغ فيها للأدوية الأصلية، مما يعرقل دخول الأدوية الجنيسة (الأقل تكلفة) إلى السوق، ويحرم المواطن من بدائل علاجية أرخص.

وقدم مجلس المنافسة جملة من التوصيات أبرزها، الانتقال من هامش ربح مرتبط بالسعر فقط إلى نموذج “هجين” يشمل “أتعابا عن الخدمات الطبية” (مثل الاستشارة والتلقيح وتتبع المرضى)، لضمان دخل قار للصيدلي بعيدا عن سعر الدواء.

كما أوصى بمنح الصيادلة الحق في استبدال الدواء الأصلي بدواء جنيس (وفق شروط علمية)، لخفض تكاليف العلاج وتشجيع الصناعة الوطنية، و إدراج الصيدليات ضمن قانون آجال الأداء لضمان سيولة مالية للموزعين.