موسم الرحيل الجماعي.. هكذا تابعت اسبانيا محاولات العبور إلى سبتة

الهجرة الجماعية

شهدت مدينة الفنيدق وضواحيها شمال المغرب ليلة السبت الأحد الماضي محاولة غير مسبوقة للهجرة الجماعية غير النظامية، إلى اسبانيا عبر سبتة المحتلة.

و تقاطر المئات من الشباب والقاصرين من الجنسين، بينهم بعض المواطنين من بلدان افريقيا جنوب الصحراء ومغاربية، محاولين العبور إلى الضفة الشمالية للمتوسط عبر المعبر البري لسبتة المحتلة أو سباحة في مياه المتوسط، وهي أكبر موجة للهجرة الجماعية من نوعها بعد تلك التي حصلت عام 2021، عندما تدفق مئات الشبان المغاربة على نفس المعبر لمحاولة الوصول إلى اسبانيا.

تمرد افتراضي

تأتي المحاولة الجديدة،  في أعقاب دعوات ونداءات عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو إلى النزول الجماعي للشباب من كافة مناطق المملكة قرب مدخل سبتة المحتلة، مطالبة بالرحيل الجماعي إلى إسبانيا، في تحد واضح للسلطات المغربية والاسبانية، رغم توقيف عدد كبير من مروجي تلك الدعوات، ما دفع المئات من أفراد الأمن المغربي إلى الانتقال نحو مدينة الفنيدق لصد جماعات المرشحين للهجرة غير النظامية.

وقد شكل هذا الحادث تحولا نوعيا في التعامل مع ظاهرة الهجرة، التي عانى منها المغرب واسبانيا خلال العقود الثلاثة الماضية منذ بروز ظاهرة “زوارق الموت” أو “الباتيرا“، وتمثل ذلك في توظيف مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الدعوة إلى تنفيذ عملية الاقتحام في نفس اللحظة وفي نفس المكان.

وهو تحول يبرز حالة من الاحتقان الاجتماعي الذي بات يدفع الشباب إلى التمرد واعتبار الهجرة الملاذ الوحيد، وصوغ شعارات احتجاجية من نوع “الرحيل الجماعي”، “بارطاجي باش كلشي ينزل”، “نمشيو فحالنا”…

الصحافة الاسبانية التقطت الحادث، وجعلته في العناوين البارزة في واجهاتها، مستعيدة وقائع وأحداثا سابقة حصلت في مناسبات مختلفة، سواء في معبر سبتة أو في معبر بني أنصار قرب الناظور والمتاخم لمليلية، خصوصا الموجة الأخيرة للهجرة الجماعية قبل ثلاث سنوات، حين اتهمت الصحافة الإسبانية السلطات المغربية بالتراخي في مواجهة المرشحين للهجرة من المغاربة أو الأفارقة المنحدرين من دول جنوب الصحراء، وعدم الوفاء بالتزاماتها التي قطعتها مع نظيرتها الإسبانية في الاتفاقيات المشتركة حول محاربة ظاهرة الهجرة.

وبالعودة إلى عناوينها، أبرزت الصحف الإسبانية، أن أجهزة الاستخبارات المغربية رصدت منذ الساعات الأولى من يوم السبت الماضي، نداءات ودعوات على منصات التواصل الاجتماعي إلى النزول الجماعي للراغبين في الهجرة إلى إسبانيا، ما جعلها تتصدى في وقت مبكر لتلك الموجة الكبيرة من المهاجرين، وتستنفر العشرات من الوحدات الأمنية التي هبت إلى مدن الفنيدق وتطوان والمضيق ومارتيل. ما مكن السلطات الأمنية المغربية من إعادة الطمأنينة إلى الحكومة المركزية الاسبانية في مدريد، خصوصا الحكومة المحلية في سبتة المحتلة التي كانت تتخوف من “عملية اقتحام” واسعة للمدينة، بحسب ما نشرت بعض الصحف.

تحرش مغربي!

وبحسب وسائل الإعلام الاسبانية، فإن الأمر لم يكن يقتصر على الشباب المغربي، إذ أشارت إلى وجود العشرات من المواطنين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ومن الجزائر وتونس، مبرزة أن المغرب أصبح منطقة عبور مفضلة لعدد كبير من لمرشحين للهجرة،  ما يجعل المغرب رهانا أساسيا في سياسة الهجرة الاسبانية والأوروبية بوجه عام.

بيد أن بعض الصحف الاسبانية المحسوبة على اليمين، والتي لديها مواقف مسبقة من المغرب في ملفات تخص بشكل أساسي قضية الصحراء المغربية أو الصيد البحري أو الهجرة، فتعاملت مع الحدث من زاوية مختلفة.

فقد حاولت بعض وسائل الإعلام التعاطي مع الحدث باعتباره نوعا من التحرش المغربي بالسيادة الاسبانية، وأن هدف أولئك المئات الذين تدفقوا على ضواحي سبتة، كان غرضهم احتلال المدينة والضغط على السلطات الاسبانية لاسترجاعها أو دفعها إلى فتح مفاوضات مع الحكومة الإسبانية للحصول على مكاسب مقابل وقف الهجرة، وتغيير المعادلة السياسية بين المغرب واسبانيا.

مواجهة مفتوحة

على الجانب الآخر، أبرزت صحف اسبانية بعض حالات المواجهة بين المرشحين للهجرة والسلطات الأمنية المغربية قرب مدينة الفنيدق، حيث سجلت حوادث لرشق أفراد الأمن بالحجارة، وأشارت إلى أن السلطات الأمنية المغربية تعاملت مع الحادث بصرامة بالرغم من أن العدد الكبير للمرشحين للهجرة كان يهدد بتجاوز قدرة رجال الأمن على السيطرة على الوضع، بحيث كان يمكن أن ينقلب الوضع إلى حالة من الفوضى وتحصل عمليات اقتحام للمدينة.

كما أبرزت تلك الصحف أن السلطات المغربية جلبت عددا من الحافلات لنقل الأشخاص إلى مناطق بعيدة عن بؤرة التوتر، وعددا من سيارات الإسعاف، الأمر الذي ضمن نهاية جيدة لذلك التدفق البشري غير المسبوق، مشيرة إلى اعتقال ما يزيد عن ستين شخصا خلال تلك الأحداث.

وبحسب تلك المصادر، فإن السلطات المغربية خلال تفتيش هويات أولئك الأشخاص، اكتشفت بأن عددا كبيرا منهم ليسوا من سكان مدن الشمال، بل منهم من قدموا من مدن بعيدة، تلبية للدعوات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

شرطي حدود

وإذا كان هذا الحادث قد أظهر حالة الاحتقان الاجتماعي في المغرب، ويأس الشباب من أي أفق مستقبلي يضمن له الكرامة والشغل، وارتفاع الاحتجاج ضد السياسات الحكومية، فإنه على الطرف الآخر أظهر المغرب كشرطي حدود يمكن الوثوق به بالنسبة للسلطات الاسبانية، التي تنفست الصعداء بعد إفشال محاولة العبور الجماعي، ما صرحت به مصادر من الحكومة المحلية في سبتة المحتلة التي قالت ليومية “البيريوديكو” الإسبانية إنها لم تسجل أي عملية اقتحام لأي شخص، بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها المغرب في التصدي لتلك الموجة.

ويأتي ذلك، لإن قوات الأمن المغربية عززت انتشارها في محيط الفنيدق خلال نهاية الأسبوع، عقب دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لمحاولة العبور إلى سبتة، رغم مئات الشباب المغاربة تمكنوا من الوصول إلى ضواحي المدينة، فألقت القبض على عدد منهم خلال الليل وأعادتهم إلى مدنهم الأصلية أو أماكن أخرى بالمغرب. وعلى الرغم من اعتقال 60 شخصا بين يومي الإثنين والأربعاء الماضيين بتهمة “اختلاق معلومات مضللة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي” تشجع على “تنظيم عمليات هجرة جماعية غير شرعية”، إلى أن ذلك لم يمنع الراغبين في الرحيل الجماعي من التدفق نحو مدينة الفنيدق.

وعلى الرغم من المطاردات في الجبال، مازالت عمليات الكر والفر مستمرة، بين الشبان الراغبين في الهجرة إلى اسبانيا، وقوات الأمن المغربية، أياما قليلة فقط من تقديم وزارة الداخلية معطيات تؤكد أن السلطات منعت في شهر غشت وحده أكثر من 11300 محاولة للعبور إلى سبتة ونحو 3300 محاولة إلى مليلية.