محمد التكانتي
انطفأت شمعة من شموع الذاكرة الأمازيغية في الجزر الكنارية.
يغادرنا أنطونيو فليكس مارتين هورميگا، الرجل الذي حمل قضيّةً أكبر من حدود المكان، ووهب جزءًا كبيرًا من حياته لإحياء صوتٍ خافتٍ ظلّ يتردّد لقرون: الصوت الأمازيغي في جزر الكناري.
وُلد أنطونيو في تينيريفي سنة 1953، ونشأ على وعي مبكّر بجذور شعبه الأصلي، شعب الغوانش، الذين تعود أصولهم إلى الحضارة الأمازيغية في شمال إفريقيا. كان التاريخ بالنسبة إليه أكثر من مجرد سرد؛ كان مسؤولية أخلاقية تجاه الهوية التي حاولت قرون من الإقصاء إخفاء ملامحها.
منذ شبابه، انخرط أنطونيو في الأبحاث المتعلقة بأصول الغوانش، وشارك في تأسيس جمعيات ثقافية مدنية تدافع عن اللغة والذاكرة والحقوق التاريخية للشعب الأمازيغي في الجزر. ومع بداية التسعينيات، بدأ نجمه يسطع خارج الجزر، حين أصبح أحد أبرز الوجوه المدافعة عن أولوية الهوية الأمازيغية في النقاش الأكاديمي والثقافي الأوروبي.
وفي سنة 1995، سيُكتب اسمه بحروف بارزة في سجلّ الحركة الأمازيغية العالمية…
ففي 1 شتنبر 1995، بمدينة Saint-Rome-de-Dolan بفرنسا، شارك في تأسيس الكونغرس العالمي الأمازيغي، وتمّ انتخابه أول رئيس لهذه المنظمة الدولية التي جمعت مناضلين وباحثين وفاعلين من كل ربوع ثامازغا، من سيوة إلى جزر الكناري، ومن الريف إلى الأطلس الكبير والصحراء.
خلال ولايته، عمل أنطونيو على تدويل القضية الأمازيغية، وربط جسور التواصل بين الفاعلين الثقافيين في المغرب والجزائر وليبيا ومالي والنيجر، وبين أحفاد الغوانش في الجزر الكنارية. كان يؤمن بأن الأمازيغية ليست مجرد لغة وثقافة، بل هوية إنسانية مشتركة عبر الضفة الجنوبية والشمالية للمحيط.
لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان يمتلك بوصلة أخلاقية لا تحيد… مدافعًا شرسًا عن حقوق الشعوب الأصلية، ضد كل أشكال الطمس الثقافي.
كتب، حاضر، وشارك في ندوات دولية، وظلّ حاضرًا في كل المحطات الكبرى للحركة الأمازيغية، سواء من داخل الكونغرس أو من خارجه.
اليوم، حين نودّعه، لا نودّع مجرد مناضل… بل رجلًا أعاد وصل ما انقطع بين الغوانش وأصولهم الأمازيغية، وأعاد الجزر الكنارية إلى الخريطة الثقافية لثامازغا.
رحل أنطونيو… لكن صوته سيظل مرفوعًا في كل أرض أمازيغية تحرس ذاكرتها.

