هل يشعل الجشع وغياب الحكومة حملة مقاطعة واسعة في رمضان؟

في ظل موجة غلاء أثقلت كاهل الأسر المغربية، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود، بدأت دعوات المقاطعة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عبر وسم “خليه عندك”، احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية تزامنا مع الشهر الفضيل، وذلك في غياب أي تدخل حكومي يعيد الاستقرار للأسواق ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

في وقت شهد فيه السوق ارتفاعا ملحوظا في أسعار العديد من السلع الأساسية مثل الأسماك، البيض، واللحوم، أطلق نشطاء مغاربة هذه الحملة بهدف دفع المستهلكين للعزوف عن شراء المنتجات مرتفعة الثمن، على أمل أن يؤدي تراجع الطلب إلى انخفاض الأسعار، كما حدث بعد القرار الملكي الذي أعلن عدم القيام بشعيرة ذبح الأضاحي وما أعقبه من انخفاض في ثمن الاكباش واللحوم.

“سردين عبد الإله” يكشف جشع المضاربين

سلط “عبد الإله مول الحوت” الضوء مؤخرا على جشع المضاربين الذين ساهموا في الارتفاعات الملحوظة للأسعار، عندما قرر بيع الأسماك بأسعار غير مسبوقة، مثل السردين الذي عرضه بخمسة دراهم فقط للكيلوغرام، ما أثار إعجابا واسعا بين المستهلكين وأثار تساؤلات حول سبب الزيادة في أسعار الأسماك رغم إمكانية بيعها بهذه الأسعار، حيث تُعتبر الأزمة الحالية وارتفاع الأسعار جزءا من مسؤولية الحكومة ورئيسها بشكل مباشر.

وفي خضم هذا الجدل، انخرط عدد من التجار في مبادرات فردية لكسر موجة الغلاء، في خطوة اعتبرها الكثيرون تحديا مباشرا لسياسة المضاربة التي ينتهجها بعض المحتكرين، وقد لاقت هذه المبادرات استحسانا واسعا بين المواطنين الذين أرهقتهم الأسعار المرتفعة.

كما انتشرت على مواقع التواصل مقاطع فيديو لتجار قرروا مواجهة الاحتكار بأسلوبهم الخاص، من بينهم جزار في الدار البيضاء أحدث ضجة كبيرة بعدما خفض أسعار اللحوم إلى 50 درهمًا للكيلوغرام، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعا غير مسبوق.

ومع انتشار هذه المبادرات، زادت حملة المقاطعة الضغط على سمسارة الأسواق لاستعادة القدرة الشرائية للمواطنين، حيث لم تقتصر هذه الحملة على التدوينات والمنشورات، بل بادر شباب مغاربة إلى تصوير مقاطع فيديو تحث المواطنين على تكرار عبارة “خليه عندك” في وجه أي بائع يبالغ في الأسعار، في إشارة واضحة إلى رفضهم للغلاء غير المبرر.

أسعار ملتهبة وحكومة غائبة

بعدما قطع الجدل الذي رافق “سردين عبد الاله المراكشي” سبات الحكومة، نطق الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، في أول رد رسمي مؤكدا أن السلطات ماضية في تعبئة كل الوسائل القانونية المتاحة للحد من ارتفاع الأسعار، وأن  إرادة الشاب بائع السمك عبد الإله بشأن الأسعار ومواجهة الغلاء تعكس إرادة الحكومة أيضا.

وخلال الندوة الصحفية التي تلت اجتماع المجلس الحكومي، الخميس الماضي، أوضح بايتاس أن لجان المراقبة تعمل بشكل مستمر، مضيفا: ” لجان المراقبة تشتغل على طول السنة وعلى رأس كل شهر نقدم معطيات بالأرقام وهناك مراقبة وتتبع”.

وأشار إلى أن الحكومة تولي اهتماما كبيرا لهذا الملف بهدف تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وضمان توفر المنتجات بجودة عالية للمستهلكين.

ولم تتأخر المعارضة في الرد على تصريحات بايتاس، حيث وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني سؤالا لوزير الفلاحة والصيد البحري، منتقدة ما أسمته “تصفية الحسابات مع من يكشفون الفساد” بدلا من فتح تحقيقات جادة حول المضاربات وارتفاع الأسعار، مؤكدة أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعالة ضد المحتكرين الذين يرفعون أسعار السمك بشكل غير أخلاقي، مما يعرض القدرة الشرائية للمواطنين للخطر، خاصة مع اقتراب شهر رمضان.

وفي تصريح سابق لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، قالت التامني: “تفاجأنا بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة، حيث كنا نتوقع منها مواجهة الغلاء غير المسبوق والتصدي للمضاربين في كل المجالات، بما فيها مجال السمك البحري الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار”، وأضافت: “في الوقت الذي كنا نتوقع أن تفتح الحكومة تحقيقا وتتخذ تدابير ملموسة لمواجهة موجة الغلاء الناتجة عن المضاربات والاحتكار، وجدناها تتجه لمواجهة من يكشفون الفساد بدلا من معالجة الأسباب الحقيقية”.

وانتقدت التامني الحكومة بشدة، واصفة سياستها بأنها “غير اجتماعية وغير شعبية”، مشيرة الى انه “بدلا من أن تواجه الحكومة الفساد والمضاربين، نجدها تحمي الفاسدين وتتصدى لمن يكشفون الفساد. هذا الأمر يندى له الجبين ويُعد وصمة عار في جبين الحكومة”، وأضافت: “الحكومة تفتقر إلى الإرادة الحقيقية لمواجهة الغلاء ودعم القدرة الشرائية للمواطنين”.

ودعت النائبة الحكومة إلى تبني مقاربة مختلفة لمعالجة الأزمة، مؤكدة أن السياسات الحالية “تكشف فشل الحكومة في حماية المواطنين من الاستغلال والفساد”، مؤكدة أن “الربح الفاحش الذي تشهده الأسواق المغربية في أسعار المواد الأساسية، من اللحوم إلى البيض والدجاج وحتى السمك، هو أمر غير مقبول ويستدعي تدخلا عاجلا”.

من جانبهم، رد العديد من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الحكومة بأنها لم تقدم جوابا صريحا حول أزمة الغلاء والإجراءات التي سيتم اتخاذها للحد من تداعيات هذه الأزمة، مما يستدعي معالجة جذرية من الحكومة.