أبو علي بلمزيان يكتب..التوحيد بين النص القرآني وهيمنة الكهنوت: تفكيك خطاب الوساطة والشفاعة

أبوعلي بلمزيان

إذا كانت العقيدة في جوهرها تعبيرًا عن وعي الإنسان بعلاقته مع المطلق، فإن أي محاولة لفهم تطورها لا يمكن أن تنفصل عن الشروط المادية التي أنتجتها. إن النص القرآني حينما يقرر بشكل حاسم “إياك نعبد وإياك نستعين” (الفاتحة: 5)، فهو يرسّخ مبدأ التوحيد الخالص، القائم على نفي أي وساطة بين الإنسان والإله، جاعلًا العلاقة بينهما علاقة مباشرة، غير خاضعة لأي تراتبية دينية أو وساطات بشرية. لكن مع تطور البنية الاجتماعية وتحول الإسلام من مشروع رسالي إلى مؤسسة سلطوية، نشأت طبقة من الكهنوت الديني التي عملت على إعادة تشكيل العقيدة بما يخدم مصالحها، مستندة إلى شبكة من الأحاديث التي تكرّس فكرة الوساطة والشفاعة، لتبرير هيمنتها الرمزية على الجماهير.

إن الحديث القائل “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” (رواه الترمذي وأبو داود) يفتح الباب أمام تصور ديني لا ينفي فقط المسؤولية الفردية، بل يعيد إنتاج منطق الامتيازات، حيث تصبح المغفرة مشروطة بتدخل النبي كوسيط بين الإنسان والإله. هذا الطرح لا يقف عند حدود التفسير اللاهوتي، بل يعكس حاجة تاريخية لدى الفئات المسيطرة إلى بناء تراتبية دينية تحاكي التراتبية الطبقية، حيث كما يوجد في المجتمع سادة وعبيد، هناك أيضًا في العقيدة درجات من القرب والوساطة، مما يحول الدين إلى انعكاس بنيوي للعلاقات الاجتماعية السائدة.

إن مثل هذه الأحاديث تتناقض مع النص القرآني، الذي يؤكد على نفي أي شفاعة مطلقة إلا بإرادة الله وحده، كما في قوله: “من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه” (البقرة: 255)، وقوله: “وأنذر به الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه وليٌّ ولا شفيع” (الأنعام: 51). هذه الآيات تقطع مع أي تصور يمنح الوساطة البشرية دورًا في تقرير المصير الأخروي، وتعيد السلطة الإلهية إلى موقعها الأصلي، بعيدًا عن أي تدخل بشري. لكن المؤسسة الدينية التي نشأت لاحقًا عملت على إعادة تأويل هذه العقيدة، عبر ترسيخ ثقافة الوساطة، بما يتيح لها لعب دور الوسيط المقدّس بين الجماهير والله، تمامًا كما تلعب الدولة دور الوسيط بين الطبقات الشعبية ورأس المال.

إن الأحاديث التي تتحدث عن شفاعة النبي أو الأولياء أو الصالحين ليست مجرد نصوص دينية، بل هي أدوات أيديولوجية، تكرّس الطاعة والامتثال، وتعيد إنتاج منطق التبعية، حيث يصبح الفرد مرهونًا برضى السلطة الدينية كما هو مرهون برضى السلطة السياسية. إنها تعيد تشكيل الدين وفق آليات السوق، حيث تُباع الشفاعة كما تُباع الامتيازات، ويتحول الإيمان إلى عملية تفاوض بين الإنسان والمؤسسة الدينية، بدلًا من كونه موقفًا فرديًا قائمًا على الوعي الحرّ.

إقــرأ أيــضــا:

أبو علي بلمزيان يكتب.. ازدواجية الخطاب الغربي تجاه روسيا: بين التهوين والتهويل في معركة المصالح.

إن تحليل هذا التناقض من منظور المادية التاريخية يكشف عن دوره في تثبيت بنية المجتمع الطبقي، حيث لم يكن بناء القداسة حول شخصيات معينة سوى تمهيد لإعادة إنتاج نفس الهرمية في الواقع السياسي والاجتماعي. كما أن المادية الجدلية تفضح زيف هذا التناقض، موضحة كيف أن الدين في نصه القرآني الأولي كان تعبيرًا عن مرحلة تحررية، تدعو الإنسان إلى بناء علاقته مع الله دون وساطة، لكنه مع التحولات الاقتصادية والسياسية، أُعيدت صياغته بما يخدم علاقات السيطرة. إن أي فهم نقدي لهذا الصراع لا يمكن أن يظل في حدود الجدل الفقهي، بل يجب أن ينفذ إلى عمق البنية الاجتماعية التي أنتجته، ويفضح دور المؤسسة الدينية في احتكار الرمزية وإعادة توظيفها للحفاظ على الامتيازات الطبقية.

في النهاية، فإن مواجهة هذه التناقضات لا تكون بمجرد محاولات التلفيق بين النصوص، بل عبر تفكيك البنية الأيديولوجية التي قامت عليها ثقافة الوساطة والشفاعة، واستعادة جوهر التوحيد كفكرة تحررية، تقطع مع أي شكل من أشكال السلطة الدينية، تمامًا كما تقطع مع الاستبداد السياسي. إن النضال ضد الاستغلال لا يقتصر على الاقتصاد والسياسة، بل يشمل أيضًا تحرير الوعي من كل القيود التي فرضتها المؤسسة الدينية، التي لم تكن سوى انعكاس آخر للسلطة القمعية التي تحكم البشر باسم المقدس، كما تحكمهم الدولة باسم القانون.
الحسيمة في 8 مارس 2025، أبوعلي بلمزيان.