بعد مرحلة من الانفراج السياسي دشنها العفو الملكي عن عدد من الصحفيين والناشطين البارزين، والذي كان يفترض أن يطوي صفحة من ملفات حقوقية استمرت لسنوات، عاد المشهد السياسي والحقوقي في المغرب ليشهد موجة جديدة من المتابعات القضائية في حق نشطاء ومدونين وحقوقيين، كان اخرها الحكم على المدون والناشط رضوان القسطيط بسنتين حبسا نافذا، وأحكام أخرى من ضمنها الحكم بسنة حبسا نافذا على الناشط المدني المعروف بدفاعه عن ضحايا الزلزال سعيد آيت مهدي، وقد أعادت هذه التطورات إلى الواجهة إشكالية حرية الرأي والتعبير، التي تُعتبر أحد الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي يتطلع إلى التحديث وترسيخ دولة الحق والقانون.
في هذا السياق، أثار الناشط الحقوقي والفاعل السياسي خالد البكاري، في تصريح لـ”كاب راديو” وموقع “كاب أنفو”، قضية استهداف حرية التعبير في المغرب، قائلا : “بكل صراحة ومسؤولية هناك استهداف ممنهج لحرية الرأي والتعبير في المغرب”، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة، بل بآلية ممنهجة تمر عبر أدوات متعددة.
وأشار البكاري إلى الآلية الاولى وهي “حرمان الأشخاص الذين يعبرون عن آراء لا ترضي السلطة، من الاستفادة من المتابعة وفق قانون الصحافة والنشر على علته، حيث لا يشمل عقوبات سالبة للحرية، واللجوء إلى القانون الجنائي. وحتى في هذا القانون الجنائي، يتم البحث عن تهم، حتى لو كانت بعيدة عن موضوع التدوينة أو التصريح، ويتم تكييفها بشكل قسري لتوجيه تهم تهدف إلى تخويف الآخرين، حتى لا يجرؤوا على التعبير عن آرائهم.”
وأضاف: “الآلية الأخرى التي يتم اللجوء إليها هي آلية التشهير، التشهير عبر مواقع إلكترونية أو حتى عبر بعض قنوات اليوتيوب، بمعنى التشهير بحياتهم الخاصة، وتهديد سلامتهم الجسدية، وإلصاق صفات تجعلهم منبوذين داخل المجتمع، إلى آخره. وفي هذه الآلية الأخيرة، تبرز الازدواجية في المعايير، حيث يتم متابعة أشخاص على عبارات قد تحمل نوعا من النقد القاسي، سواء لمسؤولين أو لسياسات معينة، وهذا الأمر عادي في العالم المتقدم، ونحن نرى كم من العبارات التي تستخدم في نقد المسؤولين. ولكن في نفس الوقت، يتم التساهل مع الأشخاص في منصات التواصل الاجتماعي الذين يستهدفون هؤلاء المنتقدين، وكأن الجهة التي تستهدف حرية الرأي والتعبير هي نفسها الجهة التي توفر الحماية والإفلات من العقاب لهؤلاء الأشخاص. أنا لا أوجه اتهامًا، ولكن أطلب إجراء تحقيق في هذا الأمر، وتنوير الرأي العام، وأن نفهم هذه الازدواجية في المعايير.”
وتابع البكاري: “كذلك نلاحظ كيف أن شخصا يتم متابعته بسبب تدوينة أو رأي، ويتم الحكم عليه بسنة أو سنتين، وأحيانا حتى خمس سنوات. ونرى على سبيل المثال المفارقة الغريبة التي حدثت يوم الحكم على إبراهيم المهدي، رئيس تنسيقية المتضررين من زلزال الحوز، حيث تم رفع العقوبة إلى سنة سجناً نافذة، وفي نفس الوقت، تم الحكم على شخص برلماني متورط في الاتجار بالبشر، ومتورط في استهلاك المخدرات الصلبة، ومتورط في حالة وفاة غير طبيعية في فيلته، وكانت لائحة الاتهام ثقيلة، ومع ذلك تم الحكم عليه بسنة منها ثمانية أشهر فقط نافذة. وبالتالي، اليوم لدينا مشكل كبير، ليس فقط في نزوع السلطة إلى التغول، لأن السلطة في العالم كله عبر التاريخ لديها هذا النزوع، ولكن من الذي يكبح هذا النزوع هو وجود سلطات مضادة، ومن بين هذه السلطات التي يجب أن تكبح هذا النزوع هي سلطة القضاء، القضاء الذي لا يجب أن يكون فقط مستقلاً، ولكن يجب أن يكون أيضًا ضامنًا للحقوق والحريات.”
واختتم قائلا: “إذن اليوم، الثقة في القضاء بدأت تتزعزع، وعدم وجود حرية أكبر فيما يخص المشهد الإعلامي لا يسمح للسلطة الرابعة أن تقوم بأدوارها، وكذلك ضعف القوى السياسية والمدنية، خاصة الحقوقية والنقابية والسياسية، هذه الأمور أفرزت لنا هذا الواقع من الهجوم على الحقوق والحريات، وعلى أنه بالفعل النجاح على هذا المستوى، اليوم النخب أصبحت خائفة أكثر من أي وقت مضى. أعتقد شكرًا.”

