إذا أردت أن تكون تافهًا، فما عليك إلا أن تدير ظهرك لآلام البشرية.”
كارل ماركس
في مثل هذا اليوم، 14 مارس، رحل كارل ماركس عن هذه الدنيا وهو يحلم ويصبو إلى مجتمع يخلو من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. هذا الحلم جعل من ماركس عدواً للعديد من خدم وسدنة الاستغلال، فراحوا يغلفون حقدهم وعداءهم بشراشف بالية. كما أن العديد ممن يدّعون انتماءهم إلى ماركس شوّهوا أفكاره وفلسفته، وعملوا على تقويض حلمه. لكن، رغم كل ذلك، سنظل دائمًا في حاجة إلى ماركس ما دام الاستغلال وسحق الإنسان مستمرين.
لا تنبع الحاجة إلى ماركس من قدرته على تخطي الزمان والمكان، كما قد يظن بعض الغارقين في الميتافيزيقا والفكر الغيبي، بل تنبع من استمرار نمط الإنتاج الرأسمالي متحكمًا في رقاب العالم. ما دام هذا النظام متحكمًا في العالم، سنظل دائمًا في حاجة إلى ماركس. الشيء الوحيد الذي قد يجعلنا نستغني عن ماركس، وتبدو لنا طروحاته غير ذات جدوى، هو القضاء على نظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
إن استمرار تحكم نمط الإنتاج الرأسمالي برقاب العالم، بمختلف تنويعاته وتلويناته، يجعل ماركس أكثر راهنية، وهذا ما يمنحه حضوره الدائم. وسيظل ماركس كذلك، سواء وُلِد في القرن التاسع عشر أو العشرين أو حتى الأول أو الثاني عشر، فالمسألة هنا ليست مرتبطة بالسنوات والقرون، بل بحقيقة النظام السياسي والاقتصادي المسيطر. ولذلك، أشفق كثيرًا على من يرددون كالبلهاء أن ماركس قد انتهى زمنه لأنه عاش في القرن التاسع عشر بينما نحن في القرن الحادي والعشرين! لكن، ما النظام الذي كان مسيطرًا عندما ظهر ماركس؟ وما النظام المسيطر الآن؟
بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاشتراكية البيروقراطية الستالينية، خرج بعض الموتورين يرقصون فرحًا بدفن الماركسية، كات يتقدم الجوقة مفكر وفيلسوف امريكي ياباني اسمه فرنسيس فوكوياما، بكتابه الشهير “نهاية التاريخ والانسان الأخير” الصادر سنة 1992، وبعد 26 سنة من ذلك، عاد هذا المفكر المنتشي ب”قتل التاريخ” ليعلن بكل مضاضة في حوار أجري معه في 17 اكتوبر 2018، قائلا”يبدو لي في هذه المرحلة أن ما قاله ماركس حول بعض الأشياء يظهر أنه صحيحاً”.
وقبله كانت جريدة النيويوركر نشرت مقالا معنوانا ب “عودة كارل ماركس”، جاء فيه تصريح لاحد كبار موظفي بورصة وول ستريت جاء فيه: “كلّما قضيت وقتاً أكثر في العمل في وول ستريت كلّما تأكّدت أن كارل ماركس كان على حق”. وقبل سنتين خصصت مجلة “ديل شبيغل” الالمانية المشهورة احد اعدادها لكارل ماركس عنونته ب “هل كان ماركس على حق في اخر المطاف؟”.
وقبل هؤلاء جميعا، سبق للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ان كتب قائلا: “تظل الماركسية فلسفة عصرنا لأنّنا لم نتجاوز الظروف التي أوجدتها”.
محمد المساوي

