ناجي العماري يكتب “تساؤلات مغربية” المقال (12) ..من هيئة الإنصاف والمصالحة إلى مصالحة جديدة

ناجي العماري

يقول نيتشه: “التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل هو صراع حول كيفية تذكرها”، وهذا ينطبق تمامًا على تجربة المغرب مع العدالة الانتقالية. عندما أُنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة، كان الهدف هو طي صفحة الماضي والانطلاق نحو مستقبل جديد. لكن، هل يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون تحقيق العدالة؟

العدالة الانتقالية بين النجاح الرمزي والإخفاق الواقعي

رغم أن هيئة الإنصاف والمصالحة كانت خطوة غير مسبوقة في العالم العربي، إلا أنها لم تؤدِ إلى تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي. فقد بقيت مؤسسات الدولة كما هي، ولم تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مما جعل المصالحة تبدو وكأنها مجرد إجراء رمزي أكثر من كونها تحولًا حقيقيًا.

  • لماذا لم تترجم توصيات الهيئة إلى إصلاحات فعلية؟
  • هل يمكن أن تكون هناك مصالحة حقيقية دون إصلاح شامل للنظام السياسي؟
  • كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع إذا لم يتم تصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سببًا في هذه الانتهاكات؟

نحو مصالحة اجتماعية جديدة

إن المصالحة الحقيقية لا تعني فقط الاعتراف بالماضي، بل تعني بناء عقد اجتماعي جديد يكون قائمًا على العدالة والمساواة. فلا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية في ظل استمرار التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن إعادة بناء الثقة دون وجود سياسات تعيد توزيع الثروة والفرص بشكل أكثر إنصافًا.

 هل نحن مستعدون لتجاوز مرحلة “الإصلاحات الشكلية”؟

المغرب يعيش اليوم في مرحلة انتقالية لم تكتمل بعد. فبين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الإصلاحات، والواقع الذي يظهر استمرار نفس الاختلالات، يظل السؤال الأساسي مطروحًا:

  • هل يمكن للمغرب أن يتجاوز النموذج السلطوي التقليدي نحو نموذج أكثر عدلًا وشفافية؟
  • هل هناك إرادة حقيقية لمساءلة الماضي وتصحيح الأخطاء بدلًا من الاكتفاء بالاعتراف بها؟
  • وكيف يمكن أن تكون المصالحة مدخلًا لإعادة بناء الدولة بدلًا من أن تكون مجرد محطة أخرى في إدارة الأزمات؟

إن إعادة النظر في الجهوية، والانتقال إلى نموذج كونفدرالي أكثر ديمقراطية، وتحقيق مصالحة حقيقية، كلها خطوات ضرورية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل هناك إرادة سياسية حقيقية لتحقيق هذا التحول، أم أننا سنظل ندور في دائرة الإصلاحات غير المكتملة؟