التناقض الظاهري بين النص القرآني الذي ينفي المشابهة بين الله ومخلوقاته، وبين الحديث الذي ينسب إلى الله صورة مشابهة لصورة الإنسان، ليس مجرد اختلاف تأويلي، بل هو انعكاس للصراع بين رؤيتين متباينتين لفكرة الألوهية داخل المنظومة الدينية. فمن جهة، يصرح القرآن بوضوح: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى: 11)، وهو نص يحمل دلالة قطعية على التنزيه المطلق لله عن أي مشابهة بالمخلوقات، بحيث يصبح تصور الله خارجًا عن نطاق التصور البشري تمامًا، ما يعزز مفهوم الألوهية المجردة التي لا تخضع لمحددات الحس أو التجسيم.
في المقابل، نجد الحديث الذي ينسب إلى النبي قوله: “خلق الله آدم على صورته” (رواه البخاري)، وهو نص فتح الباب أمام تأويلات متعددة، بل شكل أرضية خصبة للتيارات التي مالت إلى تشبيه الذات الإلهية بالإنسان، سواء عبر التأويلات الحرفية التي تبنتها بعض الفرق السلفية، أو عبر محاولات تأويلية خجولة حاولت التخفيف من دلالته دون القدرة على تجاوزه بالكامل. ورغم أن بعض الشُرّاح حاولوا إعادة تأويل الحديث بقولهم إن الضمير في “صورته” يعود إلى آدم نفسه وليس إلى الله، فإن ذلك لا يلغي الإشكال الجوهري في ورود نص كهذا داخل المرويات الحديثية التي جرى فرضها كمرجعية نهائية رغم تناقضها مع التصور القرآني.
ما ينبغي إدراكه هنا هو أن هذه التناقضات لم تكن نتاج مصادفات بريئة، بل كانت جزءًا من عملية طويلة من إعادة إنتاج النصوص وفق سياقات سياسية وثقافية فرضت منطقها على التأويل الديني. فمنهج التحليل النقدي يسمح لنا بفحص هذه الأحاديث في ضوء تطور الفكر الديني، لنرى كيف أن النصوص التي تضمنت نزعات تشبيهية لله لم تكن سوى انعكاس للبيئة الثقافية التي تشكلت فيها، حيث كانت المجتمعات القديمة تميل إلى تجسيد آلهتها في صور بشرية، إما عبر منحها صفات حسية أو عبر تخيلها في هيئة آدمية، كما كان الحال في الحضارات التي٦ سبقت ظهور الإسلام.
من هذا المنظور، يمكن فهم أن الحديث الذي ينسب لله “صورة” لم يكن سوى استمرار لهذا التصور التجسيمي، لكنه جرى تمريره داخل التراث الإسلامي بآليات معقدة، حيث تم دمجه ضمن المنظومة العقدية السائدة رغم تناقضه الواضح مع المبدأ القرآني القاضي بتنزيه الله عن كل تمثيل حسي. وهذا التناقض لم يكن مجرد مسألة معرفية، بل كان جزءًا من صراع فكري أوسع حول تأويل النصوص الدينية، حيث سعت بعض الاتجاهات إلى فرض تصورات محددة عن الألوهية تخدم رؤيتها العقائدية، مما أدى إلى تثبيت هيمنتها على الوعي الجمعي.
إن استخدام الحديث كأداة لفرض تصورات محددة عن الله لا يمكن فصله عن بنية التفكير الديني التي كانت تعمل على ضبط المفاهيم العقدية ضمن حدود لا تخرج عن إطار التصور الرسمي الذي تتبناه المؤسسة الدينية. ومن هنا نفهم لماذا جرى إضفاء طابع القداسة على الأحاديث حتى عندما تتناقض مع النص القرآني، لأن الهدف لم يكن مجرد الحفاظ على “السنة”، بل كان يتعلق بتشكيل وعي جمعي يخدم المنظومة الفكرية القائمة.
إن التحرر من هذه التناقضات لا يمكن أن يتحقق بمجرد محاولة التوفيق القسري بين النصوص، بل يستدعي مساءلة جذرية للبنية الفكرية التي سمحت بتمرير هذه النصوص رغم تناقضها مع المصدر الأساسي. وبدلًا من الاكتفاء بتبريرات لاهوتية تكرس الجمود، يجب إعادة قراءة هذا الموروث ضمن سياقه التاريخي، وفهم كيف أن إعادة إنتاج النصوص لم يكن مجرد عملية دينية محضة، بل كان جزءًا من تطور الفكر الديني الذي حكم مراحل تشكل المنظومة العقدية.
إن تفكيك هذه التناقضات لا يعني مجرد نقد نصي أو تأويلي، بل يعني أيضًا تفكيك المنهجيات التي تفرض هذه التصورات على الوعي الجمعي، وتحويلها إلى مسلمات غير قابلة للنقاش. ومن هنا، يصبح تحليل الأحاديث وفق المنهج النقدي خطوة ضرورية لفهم كيف أن الفكر الديني لم يكن يومًا مجالًا معزولًا عن التأويلات المختلفة، بل كان دائمًا ساحة لصراع المفاهيم والتفسيرات، حيث تسعى بعض الاتجاهات إلى فرض قراءتها الخاصة للنصوص لترسيخ رؤيتها، حتى لو أدى ذلك إلى التناقض مع جوهر النص القرآني نفسه.
• الحسيمة في 22 مارس 2025.
• أبوعلي بلمزيان.

