ناجي العماري يكتب سلسلة “تساؤلات مغربية” المقال (13): كيف أصبح الإعلام أداة للهيمنة بدل أن يكون صوتًا للوعي؟

ناجي العماري

حينما تحدث ميشيل فوكو عن السلطة، لم يقصرها على الحكومات أو المؤسسات السياسية، بل اعتبرها شبكة معقدة من العلاقات التي تتغلغل في المعرفة، وفي اللغة، وفي آليات تشكيل الرأي العام. وفق هذا المنظور، يصبح الإعلام ليس مجرد وسيط ينقل المعلومة، بل أداة لإنتاج السلطة وترسيخها. فما الذي جعل الإعلام، الذي كان يُنظر إليه باعتباره سلطة مضادة، يتحول إلى أداة للهيمنة؟

يُفترض أن يكون الإعلام فضاءً للحوار العام، وأداة لإنتاج وعي نقدي، لكنه أصبح اليوم خاضعًا لمنطق السوق والدعاية، حيث يتم تطويعه لخدمة أجندات سياسية واقتصادية كبرى. السؤال الجوهري هنا: هل الإعلام قادر على تحقيق الاستقلالية في عصر تتحكم فيه القوى الرأسمالية في مصادر تمويله؟ أم أن الحديث عن إعلام مستقل ليس إلا وهماً؟

الإعلام كأداة لتوجيه الإدراك الجماعي

يقول بيير بورديو إن “من يسيطر على الإعلام، يسيطر على طريقة تفكير المجتمع”. هذا لا يعني فقط التحكم في الأخبار، بل التحكم في طريقة فهمنا لها. الإعلام لا يُخبرنا فقط بالمعلومة، بل يحدد لنا كيف يجب أن نراها، وأي جوانب منها يجب أن تثير اهتمامنا، وأيها يجب أن تُهمش أو تُخفى.

• كيف يتم بناء السردية الإعلامية بحيث تخدم مصالح معينة دون أن يبدو ذلك واضحًا؟

• كيف يتم تحويل قضايا جوهرية إلى قضايا ثانوية، والعكس بالعكس؟

• ولماذا يتجه الإعلام الحديث أكثر فأكثر إلى صناعة الإثارة بدلًا من تقديم تحليل عميق للواقع؟

الإعلام لم يعد فقط ناقلًا للأخبار، بل أصبح شريكًا في صنعها، حيث يتم توجيه النقاش العام نحو مواضيع محددة وفق مصالح سياسية واقتصادية. فما مدى قدرة المواطن العادي على مقاومة هذا التوجيه؟ وهل يمكن أن يكون هناك وعي مستقل في عالم يتحكم فيه الإعلام بشكل شبه كامل في تدفق المعلومات؟

الإعلام كأداة للوعي أم أداة للإلهاء؟

إذا كان الإعلام قادرًا على تشكيل وعي الجماهير، فهو أيضًا قادر على إفراغ هذا الوعي من محتواه، وتحويله إلى مجرد استهلاك سريع للأخبار والمحتوى الترفيهي. وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية: هل الإعلام في صيغته الحالية هو أداة للوعي أم أداة لإعادة إنتاج الجهل في شكل جديد؟

• هل يمكن للمواطن العادي أن يتحرر من هيمنة الإعلام على وعيه؟

• ما هي حدود الحرية الإعلامية في عصر تتحكم فيه التكنولوجيا والمال في تدفق المعلومات؟

• وهل يمكن استعادة الإعلام كمساحة للنقاش الجاد، أم أن المنظومة الإعلامية كما هي اليوم لا تتيح ذلك؟

في النهاية، السؤال ليس فقط عن الإعلام، بل عن علاقتنا به: كيف يمكننا أن نكون مستهلكين نقديين للمعلومة بدلًا من أن نكون مجرد متلقين سلبيين لها؟