أيها الراحل في صمت مباغت، كيف للعقل أن يصدق أن من تقاسمنا معه الحلم، والهم، ودروب النضال قد غادرنا إلى أبد لا رجوع فيه؟ أتراك تركتنا جسدا، أم أنك امتزجت بنا كذكرى عصية على الغياب؟
نتذكرك يا محمد كما كنا: شبابا نحمل على أكتافنا هواجس التغيير، نغني للحرية في أوقات الصمت، ونحرس أحلامنا بعيون لا تنام. تلك السنوات التي جمعتنا لم تكن مجرد عمر عابر؛ بل كانت اختبارا للروح، حين كنا نرتق جراحنا بالكلمات، ونكسر عزلتنا بصوت الجماعة، ونغزل من الألم نسيجا من الصداقة، لنثبت أن الإنسان أقوى من القهر وأسمى من الفقد.
ما أصدق تلك اللحظات حين كنا نتجادل بشغف حول مصير وطن نحمله في أرواحنا أكثر مما نحمله في عقولنا. كيف يضيع مثل هذا الحماس في متاهة الفقد؟ وكيف لم تمهلك الحياة لتشهد ما حلمت به يتحقق؟
لم يكن وداعك عاديا، لأنك لست عاديا. كنت رفيق درب لم يتخلف يوما عن صفوف الحقيقة، تحفر بوعي نبيل في صخر الأفكار، متسلحا بالمعرفة، كأنك كنت تدرك أن العقل حصنٌ أخير لا يغلب. وإذ ترحل اليوم، فإنك تترك وراءك أثرا لا يمحى في قلوب الذين شاركتهم مرارة الحياة وحلاوة الرفقة.
لم تكن صديقا فحسب، بل كنت فردا منا، جزءا من العائلة التي احتضنتك واحتضنتها. في الأوقات الحلوة كنا نضحك معا، وفي الأوقات العصيبة كنا نتقاسم الهم بحب لا يخبو. وها نحن اليوم نحمل فقدك كجرح غائر، لكنه جرح يذكرنا بإنسانيتك ودفء حضورك.
سنظل نحملك معنا، في كل فكرة صائبة، في كل موقف صلب، وفي كل خطوة نمضي بها على درب الوفاء. سنكتب عنك، كما سنكتب عن جيلك الذي عاش نضالا لم يكن يوما ترفا، بل ضرورة وجودية.
رحلت يا محمد، لكن صوتك يعلو في ذاكرتنا، ضحكتك الطفولية لا تزال تتردد في أروقة الحنين، ودفء حضورك لن يخمد في قلب من عرفك. سنكمل الطريق، وسنكتب صفحاتك الناقصة وفاء لروحك، لأن أمثالك لا ينسون.
فلترقد بسلام، أيها الرفيق، فقد تركت وراءك إرثا من النبل لا يزول.
آمال وهبي
2025/03/25

