بقلم : قاسم البسطي
اليسار رؤية للعالم، موقف أخلاقي قبل أن يكون برنامجا سياسيا، نزوع دائم نحو النقد والتشكيك في المسلمات، واستعداد دائم للانخراط في معركة الكرامة الإنسانية ضد كل أشكال الاستغلال والظلم.
من هذا المنطلق، لا يمكن لليساري أن يكون تابعا، فالتبعية نقيض لماهية اليسار. أن تكون يساريا، يعني أن تكون حرا في فكرك، وأن تختار النقد بدل الطاعة، والمساءلة بدل الولاء.
أما غيره، فخياراتهم مضمونة في طابعها الانقيادي: الإسلامي، رغم كل تمظهرات الاختلاف، لا يتحرك خارج المرجعية، لا بد له من شيخ أو مرشد، يأمره وينهاه، وهو يطيعه ولا يجادله. والعسكري، بطبعه الوظيفي، تدرب على طمس الذات لحساب المؤسسة، ولا يسمح له بالانفلات عن القرار الذي لا يساهم فيه. وخادم الحاكم، يتسلل ويتلصص وينافق، ويخفي رغباته خلف الأقنعة، ينتظر الفرص، ويتفنن في صناعة الولاء ويحاول تعميمه على الآخرين.
تتشكل اختيارات الناس تحت ضغط الرأسمال على حياتهم وتساهم تنشئتهم في بلورة هذه الاختيارات، ففي بيئة محافظة، ينشأ المحافظون، وفي وسط ليبرالي، يزهر الليبراليون، وفي تربة يسارية، يتفتح اليساريون. لكن الإنسان ليس نسخة مكررة. فدائما هناك من يخرج عن قاعدة “إعادة الإنتاج”، من ينفلت، من يفكر، من يرفض، وهذا ما يصنع اليساري: المختلف، المتمرد والمزعج.
اليساري لا يخشى نقد نفسه ولا نقد رفاقه، فهو صنيعة الفكر النقدي، يمارس النقد كما يتنفس. ويختلف اليساريون، وهذا طبيعي، لأن ما يوحدهم يتجاوز التنظيم، إنه الإيمان بالتغيير. يختلفون في تقدير اللحظة، في استراتيجيات الممانعة الدائمة والمستمرة، في كيفية التصدي لـ”الآخر” الذي لا مصلحة له في التغيير: الرأسمالي، الذي يزحف على الشجر والبشر والحجر، المستفيد من الوضع القائم، الرافض لأي مس بهوامش ربحه أو سلطته أو امتيازاته…….
بين الفينة والأخرى، يظهر من ينصب نفسه وصيا على اليسار، يفتي فيه دون أن يكون منه. من أعطى لغير اليساري حق محاكمته؟ من منحهم سلطة التقييم والتنقيط؟
ثمّة فئة من “اليساريين القدامى”، تمعن في جلد اليسار ليس حبا فيه، بل لأنها تشعر بالخيانة. خيانة لقيم تربت عليها ثم قررت مغادرتها، ليس عن قناعة، بل لانتهازية أو تعب أو تحول شخصي. وهنا نقول لهم: لا بأس أن تغادروا، لكن غادروا بهدوء. لا حاجة للف والدوران، لا حاجة لكم للتنكر لماض شاركتم في صناعته.
أنا ممتن وشاكر لكل اليساريين الذين احتضنوني بينهم ، الذين تعلمت منهم ومعهم التشبت بالأمل في زمن الرداءة والتراجعات، وسيبقى صوت اليساري نشازا جميلا، يوقظ ضمائر الناس ، فلا تقتلوا فينا الإنسان.

