علاقة الأمازيغية بأنماط الإنتاج التقليدية (الرعي، الزراعة، التجارة)

أبوعلي بلمزيان

إن مقاربة العلاقة بين الأمازيغية وأنماط الإنتاج التقليدية – من رعي وزراعة وتجارة – لا يمكن أن تظل حبيسة التناول الثقافوي أو الهوياتي المجرد، بل تستوجب استحضار المنهج المادي التاريخي بوصفه أداة تحليل تكشف البنية التحتية التي تنتج الظواهر الثقافية وتعيد إنتاجها في علاقتها بالصراع الطبقي والهيمنة. وكما يؤكد كارل ماركس، فإن “الوجود الاجتماعي هو ما يحدد الوعي، وليس العكس”، وهو ما يعني أن الأمازيغية، بوصفها بنية لغوية وثقافية، لا تنفصل عن شروطها المادية وعن علاقات الإنتاج التي نشأت فيها وتطورت ضمنها.

ففي السياق الرعوي، حيث الاقتصاد قائم على التنقل وتدبير الموارد النادرة، تكون الأمازيغية مرتبطة بمنطق المحافظة على التقاليد لضمان استمرارية إعادة الإنتاج. هذا النمط يكرس مجتمعًا مغلقًا نسبيًا، لا تفرض عليه شروطه ضرورة التحول العميق، مما يخلق ثقافة تنزع نحو التقديس الرمزي للهوية والقرابة. لكن، كما يرى أنطونيو غرامشي، فإن الثقافة الشعبية قد تحمل في طياتها بذور التمرد والمقاومة، لا حين تُمأسس ضمن خطاب الهيمنة، بل حين تعي ذاتها كأداة نقيضة للخطاب الرسمي، وتتموقع ضد منطق الدولة الطبقية. وهنا بالضبط يمكن فهم كيف أن لحظات الجفاف أو الصراع على الموارد تحوّل هذه الثقافة من أداة للمحافظة إلى أداة للاحتجاج.

أما في نمط الزراعة المعاشية، فالعلاقة مع الأمازيغية تتخذ بعدًا أكثر ارتباطًا بتراتبية السلطة والملكية. الأرض ليست فقط وسيلة إنتاج بل هي كذلك وسيلة استعباد حين تُحتكر من طرف الأعيان أو القياد، ويُربط الفلاح بالأرض بشكل تبعي وزبوني. كما يُشير سمير أمين، فإن “الهيمنة الثقافية لا تُمارس فقط عبر المؤسسات، بل أيضًا من خلال إعادة إنتاج الرموز والمقولات الشعبية التي تُقنّع علاقات التبعية”. من هذا المنظور، تتحول اللغة الأمازيغية إلى أداة مزدوجة: تُستخدم لتثبيت البنية التقليدية ولكنها قد تنقلب إلى أداة نقد إذا ما وُضعت في سياق تحرري، حيث تُستعاد الأمثال والقصص والحكايات لتفكيك سلطة المخزن والإقطاع.

فيما يخص التجارة، وخاصة تلك المرتبطة بقوافل الصحراء والطرق العابرة للحدود، فإن الفئات الأمازيغية التي انخرطت فيها كانت جزءًا من اقتصاد التبادل، لكنها لم تتحول إلى طبقة مهيمنة اقتصاديًا بسبب ارتهانها لبنيات التبعية الخارجية. التجارة لم تتحرر من قبضة المركز، سواء المخزني أو الكولونيالي. وبهذا المعنى، فإن ماكسيم رودنسون كان مصيبًا حين رأى أن “الرأسمال التجاري في الأطراف لا يؤدي بالضرورة إلى رأسمالية وطنية، بل قد يعمق التبعية ويُكرس الوساطة”. وفي هذا السياق، فإن اللغة الأمازيغية، رغم انفتاحها على مجالات متعددة، لم تكن كافية لتحرير هذه الفئات من التهميش البنيوي، بل بقيت محصورة في فضاء التبادل الضيق، غير قادرة على التأثير في البنية الكبرى.

ومن موقع اليسار الراديكالي، فإن أي خطاب عن “إحياء” الأمازيغية دون مسائلة البنية الطبقية هو خطاب لا تاريخي ومؤدلج. كما كتب مهدي عامل: “كل فكر لا يسائل البنية التي أنتجته هو فكر يشتغل في خدمة النظام القائم، مهما بدا نقديًا أو تحرريًا”. فاستعمال الأمازيغية كشعار ثقافي أو كرمز هوياتي مجرد، دون ربطه بتحرر القوى المنتجة وبفك الارتباط مع أنماط الاستغلال، هو مجرد توظيف ناعم في أجندات النظام النيوليبرالي أو المطلبية الإصلاحية.

وعليه، فإن المادية التاريخية لا ترى في الأمازيغية معطى جوهريًا ثابتًا، بل تعالجها كبنية متغيرة، خاضعة لعلاقات الإنتاج، وقابلة للتوظيف في اتجاهات متعددة بحسب الصراع الطبقي. وإذا كان من معنى لتحرر الأمازيغية، فإنه لا يكمن في دسترتها أو تعليمها المعزول، بل في ربطها بالتحرر الجماعي من كل أشكال الاستغلال، من الأرض إلى اللغة، ومن الرأسمال إلى الرموز. فالثقافة ليست بديلاً عن الثورة، لكنها قد تكون أحد روافدها حين تتحرر من قبضة السلطة وتنحاز للفعل التغييري الجذري.

– الحسيمة في 5 أبريل 2025.

– أبوعلي بلمزيان.