يعد موضوع اختيار حرف تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية من أكثر القضايا المثيرة للجدل في مسار إعادة الاعتبار للغة والثقافة الأمازيغيتين. فهذا الحسم لم ينبن على أساس علمي رصين أو على مقاربات لسانية بيداغوجية دقيقة، بل تم اتخاذه بمنطق تصويتي داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في تغييب تام لأي نقاش عمومي أو دراسات ميدانية معمقة حول أنجع الحروف وأكثرها نجاعة في تسهيل تعليم اللغة وضمان انتشارها الأفقي والعمودي. هكذا، غلب الطابع السياسي الهوياتي على القرار، وتم تقديم تيفيناغ كاختيار “توافقي” يخدم “الخصوصية”، في حين أن حقيقته كانت رضوخًا لإملاءات نخب ثقافية معينة، خصوصًا من سوس، التي رأت في تيفيناغ امتدادًا لرمزية تاريخية تخصها أكثر مما تخص المجموع الأمازيغي.
إن الحرف الذي اختاره المعهد لم يكن مجرد أداة تقنية محايدة، بل كان أداة ضبط وتحكم سياسي وثقافي، فرضته نخبة محددة تبحث عن ترميز لهويتها الفرعية، على حساب المصلحة العامة للغة الأمازيغية. من منظور المادية التاريخية، فإن هذا الاختيار لا يمكن فصله عن الصراع الطبقي والرمزي داخل الحقل الثقافي الأمازيغي ذاته، حيث سعت فئات متوسطة إلى بسط هيمنتها الرمزية داخل المؤسسات الرسمية، من خلال فرض رؤية تراثوية مغلقة، لا تراعي الدينامية الاجتماعية أو شروط التداول العصري للغات. وكما أشار أنطونيو غرامشي، فإن الصراع حول اللغة هو في جوهره صراع حول الهيمنة الثقافية، وهو ما يتجلى بوضوح في الطريقة التي فُرض بها تيفيناغ كحرف “رسمي”، دون أن تتوافر له الشروط الموضوعية كي يكون أداة فعالة للتعليم والتواصل.
لقد أثبت الواقع اليومي أن هذا الخيار كان بمثابة مقبرة ناعمة للأمازيغية. فالصعوبات الجمة التي يواجهها المتعلمون في تلقين هذه الحروف غير المألوفة، وضعف التكوين لدى المدرسين، وغياب الكتب التربوية المحفزة، كلها عوامل ساهمت في تحويل تعليم الأمازيغية إلى عبء بيداغوجي، لا إلى رافعة للهوية والانتماء. بل إن شهادة الفشل جاءت من داخل المؤسسة نفسها، حيث تعثرت برامج تدريس الأمازيغية بشكل واسع، بشهادة التقارير الرسمية والتجارب الميدانية، ما يثبت أن الحسم في الحرف لم يكن سوى قرار فوقي لا يستند إلى أي جدوى علمية.
لقد كان من الممكن تفادي هذا المصير، لو تم تبني حرف يضمن الانتشار والتداول، كالحرف اللاتيني، الذي سبق أن دعا إليه مفكرون كبار كمولود معمري، وأكدوا أن اللغة كائن اجتماعي حي لا يتطور إلا وفق شروط الاستعمال اليومي وقابلية التحديث والانخراط في المنظومة التكنولوجية العالمية. فالحرف اللاتيني، بتجذره في العلوم الحديثة وفي المنصات الرقمية، كان سيسمح للأمازيغية بولوج فضاء عالمي أوسع، كما حدث في تجارب أخرى ناجحة (الفيتنام، تركيا، إندونيسيا…)، دون أن يؤدي ذلك إلى التفريط في الهوية أو التراث.
أما الحرف العربي، رغم حساسيته الأيديولوجية، فكان بإمكانه كذلك أن يشكل جسرا بين الأمازيغية والمجال التداولي العربي الإسلامي، خاصة في المناطق التي تحتفظ بذاكرة كتابية أمازيغية قديمة بالحرف العربي، كجبال الأطلس والريف. لكن النزعة الرمزية، المتأثرة بحسابات إيديولوجية ضيقة، منعت أي تفكير عقلاني في هذه الخيارات، وتم تقديم تيفيناغ كأمر واقع لا رجعة فيه، رغم عزلته التقنية والمعرفية.
ومن هذا المنظور، فإن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي كان من المفترض أن يكون أداة علمية لإحياء الأمازيغية، تحول إلى جهاز بيروقراطي فاقد للمبادرة، لا يتقن سوى تبرير الفشل وتكرار الشعارات. بل إن بقاءه اليوم أصبح عبئًا أكثر من كونه رافعة، بعدما استنفد كل أدواره التأسيسية، وصار أقرب إلى مؤسسة رمزية عاجزة عن تجديد نفسها أو تقديم حلول حقيقية لمآزق اللغة الأمازيغية.
إن الدفاع عن الأمازيغية اليوم لا يمر عبر التقديس الفارغ لحرف لا يؤدي سوى إلى المزيد من العزلة، بل يمر عبر تبني رؤية جديدة، تقوم على النجاعة والتداول والارتباط بالعصر. ولعل أولى خطوات هذا التصحيح تبدأ بإلغاء الحسم التعسفي في الحرف، وفتح نقاش علمي عمومي واسع يضع مصلحة اللغة فوق أي اعتبار رمزي أو إيديولوجي. أما استمرار المعهد الملكي في نفس النهج، فلا يعني سوى إطالة أمد الأزمة، وتحنيط لغة كان من المفترض أن تُبعث للحياة، لا أن تُدفن بأناقة تحت رماد الخصوصية.
– الحسيمة في 6 أبريل 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

