الحركة الطلابية المغربية: ذاكرة مشتعلة في زمن الانطفاء

محمد التكانتي

محمد التكانتي

مدخل: الجامعة… أكثر من فضاء للدراسة

لم تكن الجامعة المغربية، في يوم من الأيام، مجرد مكان للتحصيل الأكاديمي أو اجتياز الامتحانات، بل ظلت لعقود طويلة مختبرًا لصناعة الوعي، ومنبرًا للتعبير عن آمال الشباب في مغرب أكثر عدلًا وحرية. ومن بين أبرز معالم هذا الوعي، برزت الحركة الطلابية المغربية كأحد أهم الفاعلين في الحقل السياسي والاجتماعي، وكساحة مشتعلة بالمواقف، والمواجهات، والحلم.

الاتحاد الوطني لطلبة المغرب: النشأة والرسالة

منذ تأسيسه سنة 1956، كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أكثر من مجرد تنظيم طلابي؛ لقد شكّل إطارًا جامعًا ومؤطرًا للحركة الطلابية، وعمقًا نضاليًا لحركات التغيير الديمقراطي في المغرب. في سنوات الجمر والرصاص، كان هذا الاتحاد شوكة في حلق الاستبداد، ومنصة للدفاع عن القيم الكبرى: الكرامة، التعليم، العدالة الاجتماعية، وحرية الرأي.

قدّم الاتحاد تضحيات جسيمة: شهداء سقطوا في مواجهات، ومعتقلون دفعوا ثمنًا باهظًا دفاعًا عن مواقفهم. ورغم التضييق والملاحقات والاختراقات التي طالته، بقي صوتًا مقاومًا، لا يتلعثم ولا يساوم.

تنوع الفكر واختلاف المسارات: غنى أم لعنة؟

من السمات البارزة للحركة الطلابية المغربية تنوعها الفكري والسياسي. فهي لا تختزل في توجه واحد، بل هي فسيفساء معقدة من التيارات: يساريون، إسلاميون، أمازيغ، تقدميون، مستقلون… هذا التنوع، وإن منحها غنىً فكريًا وإنسانيًا، فقد شكّل أيضًا أرضية لصراعات مريرة، بلغ بعضها حدّ العنف الجسدي والنفسي.

وهنا يبرز سؤال ملحّ: كيف نُحوّل هذا التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى لعنة داخلية تُضعف الجسم الطلابي وتشرذمه؟

العنف داخل الجامعة: انزلاق عن خط النضال

من المؤسف أن تتحول الجامعة، في بعض المحطات، إلى ساحة للتصفيات الإيديولوجية، بدل أن تكون نموذجًا في الحوار والاختلاف الخلاق. وهذا الواقع المرير يستدعي وقفة تأمل جماعية. لا يمكن تبرير أي نوع من العنف، سواء كان صادرًا عن أجهزة الدولة أو من داخل الجسم الطلابي ذاته.

النضال لا يقوم إلا على السلمية والاحترام المتبادل. فأي مشروع تغييري لا يمكن أن ينجح إذا كان معطوبًا بالعنف والتخوين.

الجامعة بين القمع الرسمي والعجز الذاتي

لقد عانت الحركة الطلابية من حصار مزدوج:

من جهة، تدخل الدولة المستمر في الحقل الجامعي، عبر القمع أو التضييق أو خلق أذرع موازية هدفها تفكيك التنظيمات الحية. ومن جهة أخرى، عجز داخلي عن تجاوز الانقسامات، وبناء جبهة طلابية واسعة تتبنى الحد الأدنى المشترك من القضايا.

إن النضال الطلابي لن يستعيد بريقه إلا إذا توفرت له شروط ثلاث:

1. فضاء حر يضمن التعبير والتنظيم.

2. وعي وحدوي يتجاوز الخلافات الهامشية.

3. خطاب متجدد يتفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

نحو أفق جديد: ما العمل؟

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للجامعة المغربية، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كرافعة للتنوير والتغيير. ويبدأ ذلك برفع كل أشكال التضييق عنها، وفسح المجال أمام المبادرات الطلابية الحرة، دون وصاية أو تدخل.

في المقابل، تقع على عاتق الطلاب مسؤولية كبيرة في بناء ثقافة نضالية جديدة، تنبني على الحوار، وقبول الاختلاف، والإيمان بجدوى التراكم الديمقراطي. لا يمكن أن تتحقق المطالب الكبرى لشباب المغرب دون وعي جمعي بضرورة التجديد والوضوح والاتحاد.

الحركة الطلابية المغربية، بتاريخها العريق، وبجذورها في هموم أبناء الشعب، ليست مجرد كيان داخل أسوار الجامعة. إنها ضمير حي، ونبض مقاوم، وجسر نحو مغرب ممكن، يتحرر فيه الإنسان، ويُصان فيه الكرامة.

فهل نحن مستعدون لفتح صفحة جديدة؟ صفحة قوامها الوحدة في التنوع، والسلمية في النضال، والجرأة في النقد الذاتي؟