اعلم بأن اللحظة التاريخية تستدعي عدم الخوض في هذا النقاش، كما اعلم بأن ما يعيشه الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر، يقتضي منا ابعاد كل ما من شأنه تعكير صفوة ماء التضامن مع الشعب الفلسطيني الاعزل. جراء حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها من كيان مجرم غاصب.
لكن، وفي خضم عنفوان انسانيتنا وانجرارنا المطلق خلف عنفوان عاطفة تضامننا مع شعب فلسطين الأبي، من منطلقاتنا المبدئية. لابد من لحظة تأمل ومراجعة وتراجع إن اقتضى الحال.
ومناسبة قولي هذا؛ هو موقع التضامن مع الشعب الفلسطيني الأبي، الذي يتموقعه اليسار منذ السابع من أكتوبر، والذي بات واضحا بأنه موقع ” مرتبك”.
ويتجلى ذلك من خلال مؤشرات موضوعية وملموسة نوجزها في التالي :
1ـ تعاملنا كيسار ديمقراطي مع الجبهة المغربية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
2ـ تعاملنا مع الموقف من القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية.
أولا : تعاملنا مع الجبهة المغربية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع.
كان، تعامل اليسار مع الجبهة المغربية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع، وانخارطه فيها من منطلق بيروقراطي، مبني أساسا على مبدأية التعامل مع القضية الفلسطينية.
موقف؛ سرعان ما جعلت منه سياقات الأحداث وتفاعلاتها وتطوراتها، بعد السابع من أكتوبر، محل مراجعة ونقد وتفكير.
تفكير، ونقد، لم يتم الإعلان عنه. وهذا مكمن الخلل. الذي أعاد إلى ذهننا تموقعات ما بعد حركة 20 فبراير، وما كنا نطلق عليه حينها بالانسحاب الصامت. بعد انسحاب جماعة العدل والاحسان بشكل معلن وبتبريرات مردود عليها حينها، وإلى الآن.
كان اختيار بعض مكونات اليسار حينها أن تنسحب بصمت، ودون جرأة على قول ذلك، أو تبريره.
هذا التفكير النقدي،الحالي، تجاه الجبهة المغربية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع، التي يحس اليسار حاليا، بأنه متورط سياسيا فيها إلى هذا الحد أو ذاك، تدور عصا راحتها حول الفكرة المركزية القائلة ب” نفوذ جماعة العدل والاحسان داخل الجبهة”.
نفوذ؛ مع جعل الكلمة بين مزدوجتين، يجد مصوغاته في : – الهيمنة العددية للجماعة، وما يمكنها من فرض سيطرتها على اشكال الجبهة وخرجاتها وتظاهراتها، خاصة في المرحلة، ومعروف على الجماعة سرعة الاستقواء، وهو في نظرنا احد المعضلات التي تعاني منها الممارسة السياسية للجماعة، التي تعيق تقدير الموقف تجاهها، وطرح إمكانية التنسيق والعمل الميداني حول قضايا مشتركة، اساسا منها : القضية الفلسطينية.
ثانيا : تعاملنا مع الموقف من القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية وطنية.
إن الارتباك الواضح، الذي بدى على ممارسة اليسار الديمقراطي تجاه القضية الفلسطينية، في المرحلة. والمنطلق أساسا من موقف “دعه يمر” المتخذ تجاه عمل الجبهة. بحيث أصبح اليسار بين مطرقة الموقف من جماعة العدل والاحسان (الاسلام السياسي)، وسندان القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنسانية وطنية.
فلم يعد اليسار قادر على التفكير وانتاج الإجابات التي تجعلها تصون وتحمي موقفه التاريخي من القضية الفلسطينية، كونها قضية وطنية.
فأين المشكل؟..نجده ببساطة في عامل أساسي ومحوري هو : الموقف من حركة الإسلام السياسي ؟!..وهو الموقف الذي يعكس مجمل التموقعات لمناضلي/ت اليسار الديمقراطي في المرحلة، بين من يشيطن هاته التنظيمات ويجعل منها خطا أحمر، ومن يعتبر بأن هناك مساحة وأمل للعمل على قضايا مشتركة. وبين الأطروحتين، وعدم خلق النقاش والحوار الجاد و الفعلي حولهما، للخروج بخلاصات تشكل خارطة عمل اليسار تجاه هاته التنظيمات. ضاعت مواقفنا المبدئية.
المطلوب الآن، في نظري، خاصة تجاه القضية الفلسطينية هو :
1- استمرار تعامل اليسار الديمقراطي مع الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، مع تكثيف المقاربة النقدية تجاه تعامل مكوناتها، خاصة جماعة العدل والإحسان، ومساءلتها في كل وقت وحين عن تجاوزاتها، مع التخلي على دور المتفرج.
2- الوقوف بشكل جدي، على موقف اليسار من حركة الإسلام السياسي، ليس من منطلق العبارات والقوالب الجاهزة والنمطية، ولكن من منطلق الإجابات العلمية الملموسة، والنقاشات والطروحات المتقابلة.
وفي أفق ذلك كله، تظل القضايا المبدئية خارج المزايدة السياسية، ووجب التعامل معها بمنطق الجد، وانتاج المواقف الحازمة، ومنها موقف توحيد كافة نضالات التضامن مع الشعب الفلسطيني.
جواد اتلمساني في : 12/02/2025

