لكم ريفكم… ولنا ريف

محمد التكانتي

محمد التكانتي

الريف المغربي ليس مجرد تضاريس جبلية تكسوها غابات الزيتون والبلوط و اللوز ، ولا هو فقط شريطٌ يمتد على واجهة المتوسط من الناظور إلى تطوان. الريف أعمق من الجغرافيا، وأثقل من التاريخ، وأصدق من كل الصور السياحية الموسمية التي تُسوَّق للعابرين. الريف أكبر من سردين الحسيمة و عسل شقران الريف ذاكرة، ووجع، وصبرٌ متراكم، ومسيرة طويلة من العزلة والتهميش والمقاومة في آنٍ واحد.

لكم ريفكم الذي تعرفونه في نشرات الأخبار، وفي خطب المناسبات، وفي دفاتر الإحصاء، ونشرات التخطيط. ريفٌ من أرقام ونسب: كم نسبة الفقر؟ كم عدد الطرق غير المعبدة؟ كم معدل الهجرة؟
ولنا ريف نحمله في ملامحنا ولهجتنا وحنيننا، ريفٌ من وجوه الأمهات الصابرات، ومن القصص التي لا تروى، من الجراح التي لم تندمل، ومن الأحلام التي ما زالت مؤجلة.

منذ أن وقف محمد بن عبد الكريم الخطابي في وجه الاستعمار، لم يهدأ الريف، لا لأنه لا يحب السكينة، بل لأنه لم يعرفها قط. وُلد الريفي مقاومًا، لا حبًا في التمرد، بل لأن التهميش فرض عليه أن يكون حاضرًا بصوته حين يُراد له أن يصمت. فكلما نادى الريفي بالكرامة، قيل له: اصبر، وكأن صبره لم يمتد قرونًا. وكلما رفع رأسه، نُعت بالغرور، وكأن الكرامة تهمة.

لكم ريفكم الجميل في الصور… ريف البحر والجبال، ريف الطريق الساحلي، ريف المهرجانات المؤقتة.
ولنا ريف الحقيقة… ريف المسالك التي لا تصل إلى المستشفيات، ولا تمر منها حافلات الأمل، ريف المدارس المهجورة، والقرى التي لا يزورها أحد إلا وقت الحملات الانتخابية أو عند اشتعال الغضب.

كلما انتفض الريف، اتُّهم أبناؤه بقلة الوطنية، وكأن حب الوطن يُقاس بعدد التصفيقات، لا بعدد الأضلاع المكسورة.
كلما صرخ الريفي من الألم، أُسكت بذريعة الحفاظ على الاستقرار، وكأن العدل فوضى، وكأن الإنصاف تهديد.

لكن حتى لا يُساء فهم وجعي، أقولها بوضوح: الريف ليس كيانًا خارج الوطن، بل هو قلبه حين يخفق، وصوته حين يصدح، وضميره حين يصحو. منزلة الريف من المغرب كمنزلة الروح من الجسد: لا يُتصور أحدهما دون الآخر، وإن أثقلهما ما أثقلهما من إنهاكٍ وجراح. نحن لا نكتب لنفصل، بل لنصل. لا نصرخ لنفك الارتباط، بل لنفك الحصار.

نحن أبناء الريف… نولد وفي أعيننا أسئلة، وفي صدورنا شوق، وفي أكتافنا ذاكرة لا تخون. نحلم بوطن يسمعنا كما نسمعه، يحتضننا كما احتضنَّا، يرى فينا شركاء لا عبئًا، ويرد علينا التحية بمثلها أو بأحسن منها.

لكم ريفكم… ولنا ريف.
أنتم تملكون الاسم… ونحن نملك الحكاية.