عبدالعالي ناعيم
في ساحات الفيسبوك، حيث تتحول الكلمات إلى سلاح والهاشتاغات إلى رايات، يخوض أنصار عزيز أخنوش وعبد الإله بنكيران معركة افتراضية محمومة، كل طرف يرفع شعاراته، يدّعي أن زعيمه هو المخلّص، البديل الذي سيخرج المغرب من مستنقع الأزمات.
أنصار أخنوش يصورونه كرجل الاقتصاد القوي، مهندس التنمية الذي يملك مفاتيح الاستقرار، أما أنصار بنكيران فيعرضونه كبطل شعبي، مدافع عن العدالة، مستند إلى الدين والعاطفة. لكن، وسط هذا الصراع العقيم، يقف الشعب المغربي وحيدا، يدفع كل يوم فاتورة سياسات فاشلة، ويتعثر تحت أنقاض وعود كاذبة وإنجازات وهمية. الفقير يزداد فقراً، والغني يتراكم غناه، والوصولي يحصد المناصب. أخنوش يستغل ثروته المراكمة من الاحتكار ليتربع على عرش السلطة، وبنكيران يركب موجة العاطفة الدينية والاحتجاجات الشعبية ليصل إلى نفس الهدف. وفي النهاية، الخاسر الوحيد هو الشعب المغربي، الذي يشاهد مسرحية مكررة لا يتغير فيها سوى الأقنعة.
هذه العنتريات السياسية، هذا الجدل الفارغ بين حزبين ينتميان إلى نفس القطب الذي يستغل السلطة لمآرب شخصية، ليست سوى ستار يخفي الحقيقة المرة: المغرب يحتاج إلى تغيير جذري، إلى رؤية جديدة، إلى يسار قوي ومتجدد يعيد الأمل لشعب فقد الثقة في السياسة، يسار يجمع بين المصداقية في الخطاب والفعالية في التنفيذ، بين النضال داخل المؤسسات والحضور الجماهيري في الشارع. يسار يقدم خططاً واضحة لإشراك الشباب، يبتعد عن الزعاماتية والأبوية، ويضع قضايا الوطن والمواطن في صلب أولوياته. يسار يعيد تعريف السياسة كأداة للعدالة والتنمية، لا كوسيلة للنفوذ والاستغلال.
الواقع المغربي: جرح مفتوح
لننظر إلى الواقع بعيون مفتوحة. المغرب اليوم يعاني من أزمات متشابكة تهدد نسيجه الاجتماعي وتُنذر بمستقبل مظلم إن لم يتحرك الجميع. البطالة تضرب الشباب بقسوة، حيث بلغت نسبتها أكثر من 21% بين حاملي الشهادات (حسب تقارير رسمية لعام 2024)، مما يدفع الآلاف إلى الهجرة أو اليأس. الأسعار ترتفع كالنار في الهشيم، من الخبز إلى المحروقات، وصولاً إلى فواتير الكهرباء والماء، مما يخنق الأسر الفقيرة والمتوسطة. الفقر يضرب أكثر من 30% من سكان القرى والهوامش، والتفاوت الاجتماعي يتسع كجرح لا يندمل. التعليم يترنح تحت وطأة الإصلاحات الفاشلة، والصحة العمومية تتداعى، حيث يضطر المواطن لدفع مبالغ طائلة في المستشفيات الخاصة أو يُترك لمصيره. في المقابل، النخب السياسية تتقاسم المناصب، توزع الصفقات، وتحمي مصالحها، بينما الشعب يدفع الثمن.
عزيز أخنوش: الاحتكار والسلطة
عزيز أخنوش، رئيس الحكومة منذ 2021، يقود حزب التجمع الوطني للأحرار بثروة شخصية تجاوزت مليارات الدولارات، معظمها مراكم من احتكار قطاعات حيوية كالطاقة والفلاحة. أنصاره يروجون له كرجل دولة يملك الخبرة الاقتصادية لقيادة المغرب نحو التنمية. لكنهم يتجاهلون الحقيقة: سياسات حكومته أغرقت المواطن في دوامة الغلاء. ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من الخضروات إلى الوقود، جعل العيش كابوساً يومياً للملايين. وعود انتخابية طموحة، مثل خلق مليوني منصب شغل أو تحسين الأجور، بقيت حبراً على ورق. بل إن تهمة “تضارب المصالح” تلاحق أخنوش، خاصة في صفقات مثل تحلية مياه البحر، حيث يُزعم أن شركاته استفادت من دعم حكومي بشكل غير قانوني. أنصاره يتحدثون عن “استقرار” أسعار الغاز والكهرباء رغم الأزمات العالمية، لكن أي استقرار هذا الذي يتحقق على حساب جيوب الفقراء؟ الشعب لا يأكل الشعارات، والمواطن لا يرى سوى هوة متسعة بين الوعود والواقع.
عبد الإله بنكيران: العاطفة والشعبوية
في المقابل، يعود عبد الإله بنكيران، زعيم حزب العدالة والتنمية، إلى الواجهة بخطابه الشعبوي الذي يجيد استمالة العواطف. يصور نفسه كصوت الشعب، مدافعاً عن الفقراء، مستنداً إلى المرجعية الإسلامية وركوب موجة الاحتجاجات. لكن دعونا نكون صرحاء: بنكيران ليس غريباً عن السلطة. حين كان رئيساً للحكومة (2011-2017)، لم تتوقف معاناة الشعب. قراره برفع دعم المحروقات أدى إلى ارتفاع أسعار كل شيء، من النقل إلى المواد الغذائية، مما ضرب الطبقات الفقيرة والمتوسطة. إصلاحاته، مثل صندوق المقاصة ونظام التقاعد، واجهت احتجاجات عارمة لأنها أثقلت كاهل المواطن. اليوم، يحاول بنكيران استعادة شعبيته بالهجوم على أخنوش، لكنه لا يقدم حلولاً ملموسة، بل مجرد خطب رنانة تدغدغ مشاعر الغاضبين. أنصاره يصورونه كضحية “المخزن”، لكن الحقيقة أن بنكيران كان جزءاً من المنظومة نفسها التي ينتقدها الآن. خطابه العاطفي قد يُلهب الحماس، لكنه لا يُطعم جائعاً ولا يُوظف عاطلاً.
الحاجة إلى يسار قوي ومتجدد
أمام هذا الفراغ السياسي، وهذا الصراع العقيم بين حزبين ينتميان إلى نفس القطب الذي يستغل السلطة لمصالح ضيقة، يبرز الحاجة الماسة إلى يسار قوي، متجدد، يحمل مشروعاً وطنياً ديمقراطياً يعيد الأمل للمغاربة. يسار يتجاوز الشعارات إلى الفعل، ويجمع بين المصداقية في الخطاب والكفاءة في التنفيذ. يسار لا يكتفي بالنقد من بعيد، بل ينخرط في الواقع، يصغي لنبض الشارع، ويترجم تطلعات الشعب إلى سياسات ملموسة. لكن ما الذي يميز هذا اليسار المنشود؟
1. الجمع بين النضال المؤسساتي والجماهيري:
• اليسار المطلوب يجب أن يكون قوة فاعلة داخل المؤسسات، يعمل في البرلمان والمجالس المحلية لتغيير القوانين الظالمة، مثل تلك التي تحمي الاحتكار أو تُثقل كاهل الفقراء بالضرائب.
• في الوقت نفسه، يجب أن يكون صوتاً قوياً في الشارع، يدعم الاحتجاجات المشروعة، سواء كانت للمعطلين، أو الأساتذة، أو الفلاحين، أو العمال. هذا التوازن بين العمل المؤسساتي والنضال الجماهيري هو ما سيمنح اليسار شرعية شعبية وقوة تأثير.
2. إشراك الشباب وتمكينهم:
• الشباب هم وقود التغيير، لكنهم اليوم مهمشون، محبطون، يواجهون البطالة أو الهجرة كخيارات وحيدة. اليسار الجديد يجب أن يفتح أبوابه للشباب، يدعم مبادراتهم، ويمنحهم مساحات للقيادة.
• بعيداً عن النزعة الزعاماتية التي تكبل الطاقات، وبعيداً عن الأبوية التي تعامل الشباب كأتباع لا كشركاء، يجب أن يتبنى اليسار برامج تدريب وتمكين، ويدمج الشباب في صياغة السياسات، سواء في قضايا التعليم، التشغيل، أو التكنولوجيا.
3. رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ:
• اليسار المطلوب يحتاج إلى برامج ملموسة: إصلاح التعليم ليصبح مؤهلاً لسوق الشغل، تعزيز الصحة العمومية لتصل إلى الجميع، دعم الفلاحة الصغرى بدلاً من الشركات الكبرى، وتوزيع عادل للثروة عبر ضرائب تصاعدية على الأغنياء.
• خطط لخلق فرص عمل من خلال الاستثمار في الاقتصاد الأخضر، التكنولوجيا، والصناعات المحلية. برامج لمحاربة الفساد عبر تعزيز الشفافية ومحاسبة المسؤولين.
4. الابتعاد عن الشعبوية والاحتكار:
• اليسار الجديد يجب أن يتجنب أخطاء أخنوش وبنكيران. لا يستغل الدين أو العاطفة لكسب الأصوات، ولا يعتمد على الثروة أو النفوذ للوصول إلى السلطة. مصداقيته تأتي من التزامه بالمبادئ، وكفاءته من قدرته على تقديم حلول عملية.
• يجب أن يكون يساراً ديمقراطياً داخلياً، يشجع النقاش الحر، ويمنع تكريس الزعامات الفردية.
5. الاهتمام بقضايا الوطن:
• من قضايا البيئة والتغير المناخي، إلى حماية السيادة الغذائية، إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، يجب أن يكون اليسار صوتاً لكل قضايا المغرب. يدافع عن حقوق العمال، يدعم النقابات، ويحمي المهمشين في القرى والهوامش.
• يسار يعمل على إصلاح العدالة لتكون مستقلة، ويحارب الفساد الذي ينخر المؤسسات.
صرخة من أجل التغيير
يا سادة، المغرب ليس ملعباً لصراعاتكم الفارغة، ولا منصة لتوزيع الوعود الكاذبة. المغرب أم تناضل لتطعم أبناءها، شاب يحلم بوظيفة تحفظ كرامته، فلاح يروي أرضه بعرقه ودموعه. المغرب شعب يستحق قادة يصدقون إذا تكلموا، ويوفون إذا وعدوا. شعب يستحق يساراً قوياً، متجدداً، يحمل مشعل الأمل، ويعيد بناء الثقة في السياسة كأداة للتغيير لا للاستغلال.
لن ننتظر أن يتنازل أخنوش عن نفوذه، أو أن يتوقف بنكيران عن خطبه الرنانة. التغيير يبدأ منا، من شباب يؤمن بالعدالة، من مواطنين يرفضون الاستسلام، من يسار ينهض من رماد الخيبات ليقود ثورة الأمل. المغرب يستغيث، والسؤال يبقى: هل من يسار يجيب؟

